بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥١١ - بيان حكم المسالة بناءً على فورية وجوب الحج فورية شرعية
المتعارفة العادية الذي تقضيه طبيعة الحج خارجاً، وأما المرتبة الزائدة على ذلك فهي أمر اتفاقي قد يكون وقد لا يكون، فحال الوجوب بالإضافة إلى هذه المرتبة حال سائر التكاليف غير المبنية على الضرر التي قد تقترن به وقد لا تقترن، فكما أن تلك الأحكام مرفوعة في هذه الحالة بلا كلام، هكذا المقام بمناط واحد).
ولكن اعترض عليه غير واحد من تلامذته [١] وغيرهم، والوجه في الاعتراض: أنه بناءً على كون مفاد حديث لا ضرر هو نفي الحكم الضرري ــ كما هو مختاره (قدس سره) ومختار معظم المتأخرين وفاقاً للشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) ــ فلا يخلو إما أن يلتزم بما التزم به (قدس سره) في الأصول [٢] من (أن الأحكام المجعولة في باب الحج والجهاد ونحوهما خارجة عن قاعدة لا ضرر بالتخصص لا التخصيص، لأنها من أول الأمر جعلت ضررية لمصالح فيها، وحديث لا ضرر ناظر إلى العمومات والإطلاقات الدالة على التكاليف التي قد تكون ضررية وقد لا تكون كذلك، ويقيدها بصورة عدم الضرر على المكلف، فكل حكم جعل ضررياً بطبعه من أول الأمر لا يكون مشمولاً لحديث لا ضرر، فلا يحتاج خروجه إلى التخصيص).
وإما أن يلتزم بعدم ثبوت كون حديث لا ضرر ناظراً إلى خصوص الأحكام التي تكون ضررية تارة وغير ضررية أخرى، بل هو مطلق ينفي كل حكم ضرري، ولكن حيث إن دليل وجوب الحج ووجوب الجهاد وأضرابهما أخص مطلقاً من دليل نفي الضرر لكونها ضررية بطبعها فلا محيص من تقييد دليل نفي الضرر في موارد هذه الأحكام [٣] ، وهذا ما ذهب إليه جمع منهم
[١] التهذيب في مناسك العمرة والحج ج:١ ص:٦٨. مصباح الناسك في شرح المناسك ج:١ ص:٤٧ (النسخة الثانية). تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:٨ ص:٨٣.
[٢] مصباح الأصول ج:٢ ص:٥٣٩.
[٣] تجدر الإشارة إلى أنه قد يورد على الوجه الثاني المذكور بأنه يفضي إلى ما يشبه تخصيص الأكثر، لكثرة الأحكام التي هي ضررية بطبعها. ولكن أجيب عن هذا الإيراد بوجوه ..
(منها): ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) (فرائد الأصول ج:٢ ص:٤٦٥) من أن الموارد الكثيرة قد خرجت بعنوان جامع لها وإن لم نعرفه على وجه التفصيل ومن المقرر أن تخصيص الأكثر لا استهجان فيه إذا كان بعنوان واحد جامع لأفراد هي أكثر من الباقي.
ولكن هذا الجواب غير تام، فإنه لا فرق في استهجان تخصيص الأكثر بين أن يكون بعنوان واحد أو بعناوين متعددة، ومن هنا لو ورد (يجب الإفراد على كل مستطيع للحج) وورد في دليل آخر وجوب التمتع على من يبعد عن مكة ستة عشر فرسخاً لم يصلح أن يكون هذا مخصصاً للأول، فإنه غير مستساغ عرفاً، بالنظر إلى أن غالب المستطيعين إنما هم من خارج المسافة المذكورة.
(ومنها): ما أفاده بعض الأعلام (طاب ثراه) (بحوث في علم الأصول ج:٥ ص:٤٧٣) من أن بعض الأحكام وإن كانت ضررية بالقياس إلى الأفراد ولكنها ليست كذلك اجتماعياً بل الضرر هو في خلو الشريعة منها، كتضمين من أتلف مال الغير، والقصاص ممن جنى على آخر، ومعاقبة السارق، وأخذ الزكاة للفقراء من الأغنياء، ونحو ذلك.
وأما الأحكام العبادية التي تستلزم نقصاً في المال أو تحديد الحرية ــ كوجوب الحج ــ فهناك ارتكاز محكّم في مواردها، وهو أنه ليس للعبد تجاه مولاه الحقيقي حق الحرية والملك ليكون تكليفه بذلك من أجل المولى ضرراً عليه.
ولكن هذا الجواب غير تام أيضاً في كلا الموردين ..
أما في الأول فلأن كون جملة من الأحكام التي هي ضررية بالقياس إلى الأفراد مشتملة على مصالح اجتماعية عظيمة أمر لا ينكر، ولكنه لا يمنع من شمول دليل نفي الضرر بإطلاقه لمثلها، لأن منافعها الاجتماعية لا تزيل أضرارها الفردية، فلِمَ لا تكون مشمولة لإطلاق دليل نفي الضرر؟
وأما في الثاني فلأن نفي الضرر في مثل ما ذكر ليس عرفياً في شيء بل يبتني على ضرب من العرفان.
(ومنها): ما أفاده سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) (قاعدة لا ضرر ولا ضرار ص:٢٢٠ وما بعدها) من أن الموارد التي لا محيص من الالتزام فيها بالتخصيص محدودة جداً كالحج والجهاد، وفي معظم الموارد الأخرى يمكن الالتزام بخروجها عن مورد حديث لا ضرر تخصّصاً، لا من جهة أن هذا الحديث ناظر إلى خصوص الأحكام التي تكون ضررية تارة وغير ضررية أخرى كما تقدم عن السيد الأستاذ (قدس سره) بل لجهات أخرى، منها ..
أ ــ أن الضرر هو النقصان الذي يدخل على الشيء فيجعله أنقص مما ينبغي أن يكون عليه, فصرف المال في نفقة النفس والعيال وإخراجهم لا يعدّ ضرراً, وإذا لم يكن كذلك فلا يعدّ وجوب الإنفاق عليهم من الأحكام الضررية.
ب ــ أن هناك فرقاً شاسعاً بين الضرر وعدم النفع، وجملة من الأحكام الشرعية التي تعدّ ضررية هي في الحقيقة مشرّعة لتحديد النفع. ومن ذلك ثبوت الخمس في الغنائم بناءً على كون مرجعه إلى عدم جعل الاغتنام سبباً لملكية المال المغتنم إلا بالنسبة إلى أربعة أخماسه وأما الجزء الخامس فيدخل في ملك أصحاب الخمس من الأول فلا يكون الإلزام بدفعه إليهم حكماً ضررياً.
ج ــ أن اقتران (لا ضرر) في الحديث بـ(لا ضرار) يمنع من شموله لجملة من الأحكام التي يعدّ تشريعها من مقتضيات النهي عن الإضرار كالحدود والتعزيرات والقصاص وضمان بدل المتلفات وأروش الجنايات والديات ونحو ذلك.