بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٥٧ - من علم أنه سينتابه الجنون لو لم يأخذ دواءً معيناً فهل يلزمه استعماله ليتمكن من أداء الحج؟
يمكن أن يقال في بادئ النظر: إنه لا يلزمه ذلك، لأن العقل من شروط وجوب الحج ومع انتفائه ينتفي التكليف به, فلا موجب لفعل ما يمنع من زواله, كما هو الحال في سائر شروط الوجوب.
مثلاً: الطهارة من الحيض شرط في وجوب الصوم على المرأة, ولا يلزمها استخدام عقار لتأجيل دورتها الشهرية لتتمكن من صيام جميع أيام شهر رمضان المبارك وإن كان بإمكانها ذلك, وهكذا في المقام لا يلزم المريض استعمال الدواء المانع من عروض نوبة الجنون المانع من أداء الحج, لأن العقل من شروط وجوبه وليس تحت دائرة الطلب ليلزم الشخص العمل على المنع من زواله.
هذا ولكن يمكن أن يقال: إنه لو بني على ما يظهر من السيد الحكيم (قدس سره) من أن حج المجنون يتوفر فيه الملاك الكامن في حجة الإسلام, أقصى الأمر أنه بمنزلة العاجز عن استيفائه لا يؤاخذ على تركه، فمقتضى القاعدة أن يلزم المريض المبحوث عنه أخذ الدواء المانع من الإصابة بنوبة الجنون لما اشتهر بينهم من أنه لا تنحصر وظيفة العبد في امتثال التكاليف المولوية الإلزامية، بل يلزمه أيضاً تحصيل الملاكات المولوية الملزمة مهما أمكنه ذلك, ففي المقام لو لم يأخذ المريض المذكور ما يمنعه من الإصابة بالجنون يفوت عليه الملاك الملزم الكامن في حجة الإسلام وهو غير جائز حسب الفرض.
وأما على غير المبنى المذكور فيمكن التفصيل بين حالتين: ما قبل تحقق الاستطاعة للحج، وما بعد تحققها, ففي الحالة الأولى يجوز للمريض الامتناع عن أخذ الدواء وإن علم أنه سيؤدي إلى إصابته بنوبة من الجنون تمنع من فعلية التكليف بالحج في حقه. وأما في الحالة الثانية فلا يجوز له ذلك إلا إذا كانت كلفة الدواء مجحفة بحاله.
وتوضيح ذلك: أن ظاهر الآية المباركة: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) هو كون حجة الإسلام من قبيل الواجب المعلّق حيث يسبق زمان الوجوب زمان الواجب, أي أن وجوبها يتوجه إلى المكلف من حين