بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٦٨ - هل يستقر وجوب الحج على ذمة المكلف لو خاف الضرر ولم يحج ثم انكشف الخلاف؟
للهلاك لا أن يهلك نفسه.
فيصح الاستدلال بها على أن السفر مع خوف تلف النفس في أثناء الطريق باعتداء أو نحوه محرّم في حدِّ ذاته وإن لم يتحقق ما يخاف منه.
ولكن يمكن أن يناقش في هذا الاستدلال بوجوه ..
أحدها: أن كلا التقريبين لاستفادة حرمة تعريض النفس للهلاك من الآية الكريمة غير تام، فإنه لم يثبت أن للتهلكة معنى آخر غير الهلاك، بل ظاهر جمع من اللغويين [١] أن معناهما واحد، ومن ادعى أن معناهما مختلف قال إن معنى التهلكة كل شيء تصير عاقبته إلى الهلاك كما ذكر الخليل [٢] والجوهري [٣] وابن سيده [٤] وغيرهم، ولم أجد في كلمات اللغويين من فسر التهلكة بما يعرّض الإنسان للهلاك، كما هو مبنى الوجه الثاني.
والفرق شاسع بين ما يؤدي إلى الهلاك كالوقوع في النار فإنه يؤدي إلى احتراق الجسم ثم الموت، وبين ما يعرّض النفس للهلاك كسلوك الطريق الذي يقطعه أحياناً بعض العصابات الإجرامية ويقتلون من يمرّ فيه, فإن سلوكه تعريض للنفس للهلاك ولكن ربما لا يؤدي إليه.
فالنهي عن إلقاء النفس في ما يؤدي إلى الهلاك لا يعني النهي عن تعريض النفس للهلاك، فالوجه الثاني المذكور غير تام.
وكذلك الوجه الأول، فإن الإلقاء لا يفيد بوجه معنى التعريض أي ما يتسبب في الهلاك أحياناً ولا يتسبب فيه أحياناً أخرى، بل لما كان الإلقاء هو السبب العادي للهلاك بحيث لا يتخلف عنه عادة يكون النهي عنه ــ بحسب المتفاهم العرفي ــ نهياً عن فعل ما يؤدي إلى الهلاك لا نهياً عن الفعل الذي قد يؤدي إلى الهلاك وقد لا يؤدي إليه.
[١] لاحظ الصحاح ج:٤ ص:١٦١٦، ومقاييس اللغة ج:٦ ص:٦٢، والتبيان في تفسير القرآن ج:٢ ص:١٥٢.
[٢] العين ج:٣ ص:٣٧٧.
[٣] تهذيب اللغة ج:٦ ص:١٢.
[٤] المخصص ج:٢ ص:٧٦.