بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٢٠ - هل تجري قاعدة نفي الحرج في باب الحج؟
خرج بالدليل.
ولكن هناك كلام ينبغي التعرض له في المقام, وهو أن قاعدة نفي الحرج مما لا مسرح لها في باب الحج، وذلك لأحد وجهين ..
الوجه الأول: ما أفاده بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] من أن الحج كان في الأزمنة السابقة من الأفعال الحرجية لغالب الناس, لاستلزامه تعطيل الأعمال مدة السفر الطويلة لعدم توفر وسائل النقل الفعلية في العصور السابقة, وهذا أمر لا يهون على كل أحد بل هو عسر على غالب الناس لما فيه من الكلفة.
وإذا كان أمر الحج كذلك فلا يكون مشمولاً لدليل نفي الحرج, لاستلزامه تخصيص الوجوب بالفرد النادر.
ولكن هذا الوجه ضعيف, فإن قاعدة نفي الحرج لا تقتضي رفع كل حكم حرجي بدرجة معتدّ بها ــ على خلاف قاعدة نفي الضرر التي تقتضي نفي كل حكم ضرري بمقدار معتدّ به ــ وإنما يقتضي نفي الحكم الذي يتسبب امتثاله في وقوع المكلف في حرج شديد لا يتحمل عادة كما أوضحته في موضع آخر [٢] . ومن الواضح أن أداء الحج في الأزمنة السابقة لم يكن حرجياً بالحدّ المذكور بالنسبة إلى أهل الآفاق البعيدة ممن تتوفر له عناصر الاستطاعة المتقدمة إلا في حالات قليلة, وعلى ذلك فلا مانع من إعمال قاعدة نفي الحرج في مورد الحج إذا كان الإتيان به يوقع المكلف في حرج شديد لا يتحمل عادة.
الوجه الثاني: أن هناك جملة من الروايات الدالة على وجوب أداء الحج وإن كان فيه حرج شديد, فلا بد من الخروج بها عن إطلاق دليل نفي الحرج, وتلك الروايات على طائفتين ..
الطائفة الأولى: ما دلَّ على أن من عُرض عليه الحج ولو على حمار أبتر أجدع فهو ممن يستطيع الحج فيلزمه أداؤه. فإن من المعلوم أن ركوب الدابة المقطوع ذَنَبها وأُذُنها أو أنفها كان في عصر الأئمة : أمراً غير لائق إلا بالطبقة
[١] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:١ ص:٥٠.
[٢] لاحظ حول وسائل الإنجاب الصناعية ص:٣٤٣.