بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٧٨ - دعوى دلالة الآية على اعتبار القدرة العقلية في وجوب الحج والمناقشة فيها
المفسرة لها هو اعتبار القدرة العقلية).
وقال السيد الأستاذ (قدس سره) [١] : إن الاستطاعة المذكورة في الآية الكريمة هي القدرة والتمكن المعتبر بحكم العقل في جميع التكاليف والواجبات الإلهية، ولا تزيد الآية الكريمة على حكم العقل في ذلك. فالآية إرشاد إلى ما حكم به العقل، نعم يرتفع وجوب الحج فيما إذا كان حرجياً، لأنه منفي في الشريعة المقدسة، كما هو الحال في سائر الواجبات الشرعية.
أي لو كنا نحن والآية الكريمة لقلنا إنه يجب الحج ولو كان أداؤه حرجياً بدرجة لا يتحمل عادة، فإن هذا هو مقتضى إطلاقها، ولكن لا بد من رفع اليد عنه بما دلَّ على نفي الحرج في الشريعة المقدسة فإنه حاكم على أدلة الأحكام الأولية، ومقتضاه عدم وجوب الحج متى كان أداؤه حرجياً بحدٍّ لا يتحمل عادة.
ويلاحظ على هذا القول بأن مبناه كون الاستطاعة المذكورة في الآية المباركة اسماً لمطلق التمكن من الشيء ولو بأقصى درجات المشقة والصعوبة، أي ما يقرب من العجز التام, ولكن هذا ليس صحيحاً, فإن المذكور في كلمات جملة من اللغويين ــ كالخليل وابن فارس [٢] ــ أن الاستطاعة مشتقة من الطوع، وفي كلمات آخرين منهم ــ كالجوهري وابن بري [٣] ــ أن الاستطاعة هي الإطاقة, وقد يقال: إن مقتضى الأول كون الاستطاعة بمعنى التمكن من الشيء بلا كلفة وصعوبة لأن الطوع يقابل الكره فيفيد المعنى المذكور.
ويمكن أن يقال: إن مقتضى الثاني هو كون الاستطاعة بمعنى التمكن من الشيء بصعوبة ومشقة، فإن الإطاقة ــ كما قال الراغب [٤] ــ اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، ويشهد له قوله تعالى [٥] : ((وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ))
[١] لاحظ معتمد العروة الوثقى ج:١ ص:٧٧، ومستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:٨٥.
[٢] العين ج:٢ ص:٢١٠. مقاييس اللغة ج:٣ ص:٤٣١.
[٣] الصحاح ج:٣ ص:١٢٥٥. لسان العرب ج:٨ ص:٢٤٢.
[٤] مفردات ألفاظ القرآن الكريم ص:٣٢٠.
[٥] البقرة:١٨٤.