بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٤٠ - هل أن مزاحمة الحج بواجب أهم يوجب سقوط الوجوب أم لا؟
شاء فعل وإن شاء ترك ــ ولكن حيث إن المفروض أن قدرته ــ بمعنى القوة المنبثة في العضلات ــ قاصرة عن امتثال الجميع يكون المتعين عليه اختيار أحدها للامتثال، فإن فعل لم يكن مستحقاً لشيء من العقاب وإلا كان مستحقاً للعقوبة على تركه.
وبالجملة: التفريق في حالة التزاحم بين تصدي المكلف لامتثال بعض الواجبات المتزاحمة وعدم تصديه لذلك ليس ــ في نظر العقلاء ــ من جهة أنه في صورة التصدي لا يثبت عليه تكليف واقعاً إلا ما تصدى لامتثاله ــ نظير ما إذا لم يكن أمامه إلا غريق واحد فقام بإنقاذه ــ بل من جهة أنه مع التصدي لامتثال بعض التكاليف لا يستحق عقاباً بخلاف ما إذا لم يمتثل أياً منها.
وهكذا الحال في مورد قصور قدرة المكلف عن الجمع بين أداء عدة مستحبات, فإن العقلاء لا يفرقون بين صورتي تصدي المكلف لأداء البعض منها وعدم تصديه لذلك، من جهة أنه لا يستحب له في الصورة الأولى إلا ما تصدى للإتيان به وأما في الصورة الثانية فيستحب له الجميع ــ كما هو مقتضى الوجه الأول المذكور ــ بل يفرقون من جهة أنه يستحق ثواب ما أتى به في الصورة الأولى ولا يستحق ثواباً في الصورة الثانية، مع استحباب الجميع في حقه في كلتا الصورتين.
فالنتيجة: أن الوجه الثاني هو المطابق للرؤية العقلائية سواء في باب تزاحم الواجبات أو المستحبات.
الشاهد الثاني: أن مقتضى الوجه الأول أي كون كل تكليف مقيداً في مرحلة الإنشاء بعدم صرف المكلف قدرته في ما لا يقل أهمية عن متعلقه هو استحقاق أكثر من عقوبة في صورة عدم التصدي للإتيان بأيٍّ من الواجبات المتزاحمة.
مثلاً: إذا كان هناك خمسون غريقاً ولم يكن المكلف متمكناً إلا من إنقاذ واحد منهم, فإن أنقذ أحدهم فلا عقاب وإلا استحق خمسين عقاباً، لأن الأمر بإنقاذ الغريق ينحلُّ إلى أوامر متعددة بعدد أفراد الغريق, فإذا كان كل واحد