بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٦٧ - هل يستقر وجوب الحج على ذمة المكلف لو خاف الضرر ولم يحج ثم انكشف الخلاف؟
وأما ما ادعاه (قدس سره) لاحقاً من أن الحرمة الظاهرية التي تثبت من جهة جهل المكلف وغلطه لا تكون نافية للاستطاعة وموجبة لسقوط التكليف بالحج واقعاً، لانصراف دليل مانعية العذر عنها، فهو مخدوش جداًَ, بل لو تم دليل مانعية العذر عن الاستطاعة وكون التكليف بالمزاحم مندرجاً فيه ــ كما بنى عليه (قدس سره) ــ فهو شامل للحرمة الظاهرية على حدِّ شموله للحرمة الواقعية ولا أساس لدعوى انصرافه عن الأولى.
هذا مضافاً إلى أنه قد يقال: إن حرمة الخروج مع خوف تلف النفس واقعية لا ظاهرية، استظهاراً من الآية المباركة [١] ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) ، بدعوى أن مفادها هو حرمة إلقاء النفس في ما لا يؤمن من ضرره ــ كما ورد في كلام المحقق النائيني (قدس سره) [٢] ــ أو النهي عن الإقدام الخطري ــ كما عبّر به المحقق الأصفهاني (قدس سره) [٣] ــ.
ويمكن تقريب هذا المدعى بوجهين ..
الأول: أن الإلقاء يفيد معنى التعريض، أي أن هناك فرقاً بين أن يقال: (لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم) حيث يستفاد منه النهي عن الانتحار وما يجري مجراه، وبين أن يقال: (لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فإن المستفاد منه بمقتضى استخدام مادة الإلقاء كون متعلق النهي هو الفعل الذي يكون بمثابة السبب للهلاك، فلا بد من عدم المانع حتى يتحقق المسبَّب ــ أي الهلاك ــ فالإلقاء في التهلكة ــ المنهي عنه في الآية الكريمة ــ إنما هو بمعنى تعريض النفس للتهلكة وإن لم يحرز تعقبه بها.
الثاني: أن التهلكة ليست بمعنى الهلاك، بل ما يعرّض النفس للهلاك، فإذا قيل: (لا تلقِ نفسك في التهلكة) فمعناه هو لا تلقِ نفسك في ما يعرضك للهلاك. وعلى ذلك فمفاد الآية الكريمة هو النهي عن أن يعرض الإنسان نفسه
[١] البقرة:١٩٥.
[٢] لاحظ أجود التقريرات ج:٢ ص:٣١.
[٣] حاشية المكاسب (المحقق الأصفهاني) ج:٣ ص:٣٠٣.