بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٥٠ - هل أن مزاحمة الحج بواجب أهم يوجب سقوط الوجوب أم لا؟
المتزاحمين في مرحلة الفعلية بالالتزام بعدم الإطلاق لأحدهما أو لكليهما, وأما في مرحلة الإنشاء فلم يكن بينهما أيّ تنافٍ ليحتاج إلى العلاج.
أقول: إن الحكم في مرحلة الفعلية ليس سوى الحكم في مرحلة الإنشاء، أي أن الحكم بوجوده المحمولي واحد إلا أن له ارتباطين: أحدهما: ارتباطه مع معروضه الموجود في وعاء الحكم وهو من حدود الحكم ومقوماته بالمعنى الأول. والآخر: ارتباطه مع الموصوف به ــ وهو ما يطابق المعروض في مرحلة الوجود الخارجي ــ والارتباط الثاني انعكاس للارتباط الأول. والحكم بلحاظ الارتباط مع معروضه يعبر عنه بالحكم الإنشائي، وهو بهذا اللحاظ لا استمرار له إلا بالحمل الأولي، وبلحاظ الارتباط مع الموصوف به يعبر عنه بالحكم الفعلي، وهو باللحاظ الثاني طولي استمراري وقابل للبقاء والزوال ويكون موضوعاً لحكم العقل بوجوب الإطاعة وحرمة العصيان وغيرهما من الآثار.
وبالجملة: الوجود المحمولي للحكم واحد ولا إثنينية فيه لكي يقال: إن الحكم في مرحلة الفعلية يقيد بشيء مع كون الحكم في مرحلة الإنشاء مطلقاً غير مقيد به، بل الحكم واحد في المرحلتين، والإطلاق والتقييد إنما هما من شؤون الحكم في مرحلة الإنشاء. وأما في مرحلة الفعلية فلا يعقل تقييد ما أُنشأ مطلقاً، لأنه لا يمكن أن يكون المقيِّد هو الشارع المقدس، لأنه لا يتصرف في مرحلة الفعلية التي هي انعكاس لمرحلة الإنشاء. كما لا يمكن أن يكون هو العقل، لأن العقل النظري وظيفته إدراك الحقائق والأمور الواقعية، وليس من شأنه التصرف بإسقاط إطلاق أو نحوه، وأما العقل العملي الذي يحكم ــ كما هو المشهور ــ باستحقاق العقوبة على المخالفة والمثوبة على الموافقة فدائرة عمله تنحصر في مرحلة التنجيز، أي أنه يحكم بعدم استحقاق العقاب على عدم امتثال التكليف بالمهم عند امتثال التكليف بالأهم، وعدم اشتمال العقاب على عدم امتثال الأمر بأحد المتساويين في الملاك عند امتثال التكليف بالآخر, وأيّ علاقة للعقل العملي بمرحلة الفعلية؟!