بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨٥ - دعوى دلالة الآية على اعتبار القدرة الشرعية في وجوب الحج والجواب عنها
لفظ القدرة أو ما بمعناها المأخوذ في لسان الخطاب, فإنها هي التي تعتبر في الخطاب بحكم من العقل، فإذا أخذها الشارع في لسان الخطاب ولم يكن المقصود إفادة دخلها في الملاك يكون ذكرها لمجرد التأكيد على حكم العقل ولا يتضمن معنى جديداً.
وأما لو بني ــ كما هو الصحيح وقد أقرّ به (طاب ثراه) في موضع آخر [١] ــ على أن القدرة المأخوذة في لسان الخطاب ظاهرة في القدرة العرفية ــ أي الدرجة الثانية من درجات القدرة ــ التي هي أخص من القدرة العقلية، فإن من الواضح أن في أخذها في لسان الخطاب إفادة لمعنى زائد على ما يحكم به العقل وإن لم يكن لبيان دخلها في الملاك, وذاك المعنى هو عدم ثبوت الخطاب إذا كان امتثاله يؤدي إلى وقوع المكلف في العسر والحرج الشديدين, فإن العقل لا يمنع من ثبوت الخطاب في هذه الحالة كما هو ظاهر.
وعلى ذلك فلا يبقى مجال لاستكشاف دخل القدرة في الملاك من جهة أن الأصل في الخطابات الشرعية أن تكون للتأسيس.
وبالجملة: لو بني على أن القدرة المأخوذة في لسان الخطاب إنما هي بمعنى القدرة العرفية فلا سبيل إلى دعوى استكشاف دخلها في الملاك بالبيان المذكور, وهكذا لو بني على أنها بمعنى القدرة الشرعية أي الدرجة الثالثة من درجات القدرة كما هو واضح.
هذا والصحيح أن يقال: إنه لما كان المستظهر من لفظ القدرة وما بمعناها المأخوذة في لسان الخطاب هو القدرة العرفية ــ كما تقدم ــ فإنه لا محيص من البناء على كونها معتبرة في الملاك، لأن مقتضى أصالة التطابق بين القضية اللفظية واللبية هو كون ما يؤخذ قيداً في لسان الخطاب قيداً للحكم في وعاء التشريع, ومن الواضح أنه لا مبرر لتقييد الحكم بقيد وتضييق دائرته به لولا دخله في مقتضي الحكم وملاكه, فإن سعة الحكم لا بد أن تتبع سعة الملاك فلا يجوز أن يكون الحكم أضيق دائرة من الملاك الكامن في متعلقه لأنه يعني تفريط الشارع
[١] بحوث في علم الأصول ج:٧ ص:١٣٨.