بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٩٧ - الوجه المختار في مفاد نصوص الاستطاعة
إعمال القدرة فهو من الإنسان، أي أن الإنسان هو فاعل الفعل وموجده حقيقة ــ لا أنه محل لما يوجده الله عز وجل ــ ولكن ما يصدر منه له جهتان وإضافتان: إضافة إلى الله تبارك وتعالى لأنه معطي القدرة، وإضافة إلى الإنسان لأنه أعملها وأخرجها إلى الفعل. وهذا هو معنى ما ورد عنهم : [١] : ((لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين)).
والفرق بين هذا القول وقول المجبرة واضح، وأما الفرق بينه وبين قول المفوّضة فيحتاج إلى بعض التوضيح، ويمكن ذلك من خلال مثال وهو:
أنه لو فرض وجود نظامين لتحميل البواخر بالنفط الخام: نظام يعتمد على تحميل الباخرة بالنفط من الأنبوب الذي يضخه فيها مباشرة، ونظام يعتمد على ملء المخازن في الميناء من الأنبوب ثم تفريغها في الباخرة.
فإذا كان هناك عامل عند بئر النفط يقوم بضخه في الأنبوب، وعامل آخر في الميناء يقوم بتحميل الباخرة به، فلا شك في أن تحميل الباخرة بالنفط فعل يستند إلى العامل الموجود في الميناء، ولكن إذا كان النفط يصله عن طريق الأنبوب الذي يوصل بالباخرة مباشرة وكان دور العامل في الميناء هو وضع فوهة الأنبوب في خزان الباخرة لا غير، فإن من الواضح أن العامل في محطة الضخ عند آبار النفط يتحكم في عملية تحميل الباخرة به من البداية إلى النهاية، أي إذا كانت العملية تستغرق عشر ساعات مثلاً فلا بد من استمرار ضخ النفط في الأنبوب طوال هذه المدة, إذ لو أقدم العامل الموجود عند آبار النفط على قطع عملية الضخ في أية لحظة فإنه ستتوقف عملية التحميل لا محالة.
وأما إذا كان العامل الموجود في الميناء يحمّل الباخرة بالنفط من المخازن التي ملئت به من الأنبوب القادم من الآبار فلا حاجة في عملية تحميل الباخرة إلى ذلك العامل الذي قام بضخ النفط عبر الأنبوب إلى المخازن، بل ينتهي دوره بملء المخازن من النفط، وبعد ذلك يكون الأمر كله متروكاً للعامل الثاني.
أي أن العامل الأول الذي ضخ النفط عبر الأنبوب إلى المخازن وملأها به
[١] الكافي ج:١ ص:١٦٠. التوحيد ص:٣٦٢.