بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٩٩ - الوجه المختار في مفاد نصوص الاستطاعة
ذاته. وعلى ذلك فبقاء القدرة في الإنسان وتمكنه من الفعل والترك يتوقف على استمرار إفاضة الله تعالى بحيث لو انقطعت عنه الإفاضة لحظة ما لم يكن متمكناً من الفعل في تلك اللحظة.
وبذلك يعلم بطلان ما بنى عليه المفوضة من أن الممكن لا يحتاج في استمرار وجوده ــ المعبر عنه بالبقاء ــ إلى العلة بل تكفي العلة الأولى المحدثة، فإن هذا لا ينسجم مع فرض كونه ممكناً لا اقتضاء له لشيء من الوجود والعدم حدوثاً وبقاءً.
هذا بعض الكلام في هذه المسألة، وهي طويلة الذيل، ولاستقصاء البحث حولها محل آخر.
والغرض مما ذكر هو الإشارة إلى أن جملة من النصوص الواردة في تفسير الاستطاعة تتعلق بالنزاع بين المجبرة والمفوضة, لأن الذي يظهر من الكتب الكلامية [١] ومن غير واحدة من الروايات [٢] هو أن من عمدة ما اختلف فيه المفوضة والمجبرة هو كون القدرة سابقة على الفعل أو مقارنة له، فكان المفوضة يدعون أن القدرة تمنح للإنسان قبل أن يفعل، ولذلك يتخير بين الفعل والترك، وكان المجبرة يزعمون أن القدرة لا تكون قبل الفعل بل تكون حينه، فلا قدرة لمن لم يفعل وإنما يكون قادراً إذا فعل.
والنزاع بين الطرفين في هذا الأمر كان على أشده في عصر الأئمة : وهم طالما سئلوا عنه من قبل أصحابهم ومن قبل مخالفيهم وقد جرت بشأنه مناظرات بين أهل الكلام من الجانبين.
ففي خبر عبد الرحيم القصير [٣] قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله ٧ : جعلت فداك اختلف الناس في أشياء قد كتبت بها إليك،
[١] لاحظ المواقف ج:٢ ص:١٢٣، وشرح المقاصد ج:١ ص:٢٤١.
[٢] لاحظ الكافي ج:١ ص:١٦٠ وما بعدها، والمحاسن ج:١ ص:٢٨٣، ٢٩٥, والتوحيد ص:٣٤٣ وما بعدها, واختيار معرفة الرجال ج:١ ص:٣٥٧ وما بعدها.
[٣] التوحيد ص:٢٢٦.