بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٤٩ - هل أن مزاحمة الحج بواجب أهم يوجب سقوط الوجوب أم لا؟
فيها الأحكام على موضوعات مقدّرة الوجود، ومما يعتبر في موضوع كل حكم هو القدرة على الإتيان بمتعلقه، ولكن الحكم لا ينظر إلى حال موضوعه ولا يستدعي تحققه في الخارج، بل هو ثابت على تقدير تحققه. وعلى هذا الأساس فلا تنافي بين التكليفين المتزاحمين في مرحلة الجعل والإنشاء، إذ أيّ تنافٍ بين حكمين من قبيل وجوب الصلاة بين الطلوعين للقادر عليها ووجوب إنقاذ الغريق للقادر عليه؟ بل ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) [١] أن عدم التنافي بين مثلهما من الأحكام في مرحلة الجعل يُعدُّ من الواضحات الأولية.
ولكن قد يقع التنافي بينهما في مرحلة الفعلية ــ أي مرحلة تحقق الموضوع ــ لأن القدرة شرط لكل تكليف, فلا يصير أيّ من الحكمين فعلياً إلا مع تحقق القدرة على متعلقه, غير أن المفروض في مورد التزاحم أن المكلف لا يملك سوى قدرة واحدة تفي بامتثال أحدهما فقط, فلا يمكن أن يصير كلاهما فعلياً مطلقاً, بل يدور الأمر بين أن لا يصير أحدهما فعلياً مطلقاً وبين أن لا يصير فعلياً على تقدير امتثال الآخر.
وبعبارة أخرى: يدور الأمر في مرحلة الفعلية بين رفع اليد عن إطلاق أحد الحكمين وبين رفع اليد عن أصله, وحيث إن الضرورات تتقدر بقدرها ولا ضرورة هنا في رفع اليد عن أحد الحكمين من أصله والبناء على عدم صيرورته فعلياً مطلقاً فالمتعين هو رفع اليد عن إطلاقه فقط.
ومقتضى ذلك أنه إذا كان أحد الواجبين أهم من الآخر ترفع اليد عن إطلاق وجوب المهم على تقدير الاشتغال بالأهم, فلا يصير فعلياً على هذا التقدير.
وأما مع تساويهما في الملاك فترفع اليد عن إطلاق كل منهما على تقدير الاشتغال بامتثال الآخر فلا يصير فعلياً في هذه الحالة.
وبالجملة: بعد البناء على إمكان الترتب، أي الأمر بفعل مترتباً على مخالفة الأمر بفعل آخر ــ كما حُقِّق في محله ــ فإنه يرتفع التنافي بين التكليفين
[١] محاضرات في أصول الفقه ج:٣ ص:٢٢٥ ط:نجف.