بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٢٦ - بحث حول أخذ القدرة الشرعية في وجوب الحج
الجهة الثانية: أن محل الكلام هنا هو ما إذا كان التكليف الإلزامي الآخر المزاحم للحج مما لا تعتبر فيه إلا القدرة العقلية، أي القدرة التكوينية على الإتيان بمتعلقه, وأما إذا كان مما تعتبر فيه القدرة الشرعية بمعنى أن لا يكون امتثاله موجباً للإخلال بامتثال تكليف إلزامي آخر فسيأتي الكلام حوله في شرح المسألة (٦١) إن شاء الله تعالى.
إذا اتضح ما تقدم فينبغي البحث عن الأمور الثلاثة المتقدمة ..
١ ــ أما (الأمر الأول) ــ وهو أن كل تكليف إلزامي لا يمكن الجمع بين امتثاله وأداء الحج لا يُعدّ مانعاً شرعياً عن الذهاب إلى الحج بل يختص المانع ببعض التكاليف الإلزامية ــ فهو مبني على عدم أخذ القدرة الشرعية في وجوب حجة الإسلام, وأما مع الالتزام بأخذها فيه ــ كما نسب إلى المشهور ــ فمقتضاه عدم فعلية وجوب الحج عند التزاحم مع أي تكليف إلزامي قد أخذت فيه القدرة العقلية ــ كما هو محل الكلام ــ.
لأن المقصود بكون الواجب مقدوراً بالقدرة الشرعية هو ــ كما مرَّ ــ أن لا يكون الإتيان به موجباً للإخلال بامتثال تكليف إلزامي آخر فعلي ومنجّز في حق المكلف, فالتكليف الآخر الذي لا يمكن الجمع بين امتثاله وأداء الحج يكون بفعليته وتنجزه رافعاً لموضوع وجوب الحج، لصيرورة المكلف عاجزاً شرعاً عن الإتيان بالحج، فينتفي وجوبه لا محالة.
ولذلك ذكر في محله من علم الأصول أن من موارد الترجيح في باب التزاحم هو كون أحد التكليفين مما تعتبر فيه القدرة العقلية وكون الآخر مما لا تعتبر فيه القدرة الشرعية، فإن الأول يصير فعلياً بمجرد القدرة التكوينية على متعلقه فينتفي بذلك موضوع الثاني بانتفاء جزء منه فلا يمكن أن يصير فعلياً, وهذا معنى كون الأول مرجحاً عليه.
وبالجملة: إن كون بعض التكاليف الإلزامية مانعاً شرعياً عن الذهاب إلى الحج لا كل تكليف إلزامي مبني على عدم اعتبار القدرة الشرعية في وجوب الحج, ولكن قد استُدل لاعتبارها فيه بوجوه ..