بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٢٨ - بحث حول أخذ القدرة الشرعية في وجوب الحج
المكلف يعدّ في نظرهم غير قادر على الإتيان بالمهم.
مثلاً: إذا قيل لطبيب موظف في إحدى المستشفيات الحكومية: (زر المريض الفلاني للفحص الدوري صباح غد إن قدرت على ذلك) صح منه أن يقول في الجواب: (لا أقدر، عندي وظيفة) بالنظر إلى أن أداء الوظيفة الحكومية أهم من زيارة مريض للفحص الدوري.
وأما إذا قيل للطبيب نفسه: (شارك في عمليات إسعاف المصابين في الزلزال الذي تعرض له البلد إن كنت قادراً على ذلك) فليس له أن يجيب بما تقدم, لأن إسعاف المصابين أهم من أداء العمل الوظيفي.
وبالجملة: ليس كل تكليف إلزامي تشتغل به الذمة ويزاحم امتثاله أداء فعل يُعدُّ مانعاً عند العرف عن القدرة على أداء ذلك الفعل, بل يختص ذلك بما يكون متعلقه يحظى بالأهمية الملزمة.
ولكن تقدم الإيراد على هذا الكلام بأن اشتغال الذمة بالواجب الأهم لا يمنع من صدق القدرة على الإتيان بالواجب المهم بمعنى إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهي المناط في فعلية كل تكليف. وأما القدرة بمعنى القوة المنبثة في العضلات فهي وإن كانت مخصصة عند العقلاء لامتثال الواجب الأهم إلا أن ذلك إنما يمنع من تنجز التكليف بالمهم لا من فعليته.
وأما ما تقدم من صحة اعتذار الطبيب الموظف عن زيارة المريض للفحص الدوري بقوله: (لا أقدر، عندي وظيفة) فهو ليس لمجرد أهمية أداء الواجب الوظيفي بل مع ملاحظة عزم الطبيب على القيام به, ولذلك لو كان ممتنعاً عن أدائه على كل حال لم يصح منه القول المذكور ولا يعدُّ غير قادر على زيارة المريض وإن كانت في وقت واجبه الوظيفي.
وبالجملة: مجرد اشتغال الذمة بواجب آخر وإن كان أهم لا يوجب منع صدق القدرة على الإتيان بمزاحمه وإنما يمنع من تنجز التكليف به كما سيأتي وجهه.