بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٢٧ - بحث حول أخذ القدرة الشرعية في وجوب الحج
الوجه الأول: الآية الكريمة ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) بدعوى أنها تدل على إناطة وجوب الحج بالاستطاعة العرفية, ولا يصدق أن الحج مستطاع عرفاً مع عدم إمكان الجمع بينه وبين امتثال تكليف إلزامي آخر, أي أن التكليف الآخر يوجب انتفاء الاستطاعة العرفية على الحج فيرتفع وجوبه بارتفاع موضوعه, وهذا معنى كونه مشروطاً بالقدرة الشرعية.
وقد تبنى هذا الوجه جمع منهم بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] .
ولكن يمكن أن يناقش من جهتين ..
الجهة الأولى [٢] : أن النصوص الشرعية قد دلّت على تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية الكريمة بأمور معينة بعناوينها من الزاد والراحلة وصحة البدن وتخلية السرب، وليس منها عدم المزاحمة لواجب آخر, فلا وجه لاعتباره في الاستطاعة بدعوى أن المراد بها هنا هو الاستطاعة العرفية.
وبعبارة أخرى: إن دعوى عدم صدق الاستطاعة عرفاً مع كون الحج مزاحماً بواجب آخر إن صحت فإنما يعوّل عليها لو لم تدل النصوص على كون المراد بالاستطاعة في الآية المباركة هي الأمور الأربعة المذكورة, وأما بعد دلالتها على ذلك فلا بد من الأخذ بمقتضاها دون ما يقتضيه مفهوم الاستطاعة عرفاً.
أقول: قد تقدم الخدش في دلالة الروايات على تفسير الاستطاعة بالأمور الواردة فيها بعناوينها وترجيح أن المراد بها هو الاستطاعة العرفية, فالمناقشة في الاستدلال المتقدم من الجهة المذكورة غير ناهضة على المختار.
الجهة الثانية: أن إناطة صدق الاستطاعة العرفية بعدم المزاحمة لواجب آخر محل نظر بل منع كما مرَّ قريباً, فإن العرف لا يساعد على نفي القدرة على الإتيان بفعل لمجرد اشتغال الذمة بالتكليف المتعلق بما هو مزاحم له.
نعم إذا كان المزاحم مما يحظى بالأهمية الملزمة فقد يدعى أن قدرة المكلف ــ بمعنى القوة المنبثة في عضلاته ــ لما كانت مخصصة عند العقلاء للفعل الأهم فإن
[١] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:١ ص:٦٦ (الهامش).
[٢] لاحظ معتمد العروة الوثقى ج:١ ص:١٤٧.