بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٢٥ - حكم الحج فيما إذا كان مستلزماً لترك واجب أهم أو ارتكاب حرام يكون الاجتناب عنه أهم
الاستطاعة وامتثال تكليف إلزامي آخر فمن الواضح أنه لا يقع تزاحم بين أصل وجوب الحج وبين ذلك التكليف الآخر ليبنى على كون الثاني مانعاً عن الأول, بل يدور الأمر بين المخالفة الاحتمالية للأول والمخالفة القطعية للثاني, وفي مثله وإن لزم الاجتناب عن المخالفة القطعية إلا أنه لا يعني عدم ثبوت التكليف بأداء الحج، أقصى الأمر أنه يؤجل امتثاله إلى عام لاحق مع بقاء الاستطاعة.
وأوضح من ذلك ما لو بني على عدم فورية وجوب الحج ــ ولو من جهة حصول الاطمئنان للمكلف بتمكنه من أداء الحج في عام لاحق والبناء على حجية هذا الاطمئنان ــ فإنه من الظاهر عندئذٍ عدم وقوع التزاحم بين وجوب الحج والتكليف الإلزامي الآخر، إذ لا تزاحم بين الواجبين الموسع والمضيق، فلا محل للقول بكون ثبوت الثاني مانعاً عن وجوب الأول.
نعم قد يقال: إن ثبوت الثاني يمنع من إطلاق الأول للفرد المزاحم له بناءً على كون التقابل بين الإطلاق والتقييد من قبيل العدم والملكة ــ كما هو مختار المحقق النائيني (قدس سره) ، وهو الصحيح ــ إذ لا يعقل تقييد الواجب الموسع بخصوص الفرد المزاحم للواجب المضيق, وإذا لم يكن التقييد ممكناً فالإطلاق غير ممكن أيضاً، ونتيجته هي عدم شمول الآخر للفرد المزاحم، فلا يمكن تصحيحه من هذه الجهة. هكذا أفاد السيد الأستاذ (قدس سره) [١] .
ولكن يمكن الجواب عنه بأن القابلية للتقييد تارة تستعمل ويراد بها الإمكان الوقوعي، بأن لا يكون التقييد مستحيلاً مستلزماً للدور أو التسلسل كما ادعي ذلك في تقييد وجوب المقدمة بالإيصال. وأخرى تستعمل ويراد بها كون التقييد مطابقاً للحكمة, والقابلية بالمعنى الأول متحققة في المقام وهي المقوّمة للإطلاق اللحاظي، وأما القابلية بالمعنى الثاني التي هي غير متحققة هنا فعدمها معتبر في الإطلاق من حيث كونه مطابقاً للحكمة. وعلى ذلك فلا محذور من إطلاق الأمر بالموسع للفرد المزاحم للواجب المضيق بل المحذور في التقييد بغيره لاشتماله على الملاك الملزم، فلا مبرر لإخراجه عن تحت دائرة الأمر.
[١] محاضرات في أصول الفقه ج:٣ ص:٦٧.