البرصان و العرجان و العميان و الحولان - عمرو بن بحر الجاحظ - الصفحة ٥٥٤ - باب ما جاء في فضل الأيمن على الأيسر
قال القوم: هؤلاء قادة، و إنما نحن في ذكر الاتباع، و هؤلاء إنّما يراد منهم التّدبير و التّوقيف[١]، و الاسم المهيب الطّائر في الآفاق.
و كان كلاّس و مقلاس[٢]أخوين أحدهما أيمن و الآخر أعسر، فكان الأيمن يفخر على الأعسر، فأخذا في سرق[٣]، فقطعت أيديهما، فكان الأيمن لا يستطيع أن يعمل بيده، و كان الأعسر يعمل بيده العسرى أعماله كلّها على صحّته و عادته، ففخر الأعسر على الأيمن بذلك فقال الأيمن: ما علمت للأيسر فضيلة إلا أن يسرق فيؤخذ فتقطع يمينه.
قالوا: و كان عمر بن الخطاب يخرج الضّاد من شدقه الأيسر كما يخرجه من شدقه الأيمن. و من لم يكن أعسر يسرا فإنّما يخرجه من شدق واحد، و هو الأيمن. و هذه فضيلة الأيمن على الأعسر.
قالوا: و إنّما صار هذا أعسر و هذا أيمن على قدر قوّة الكبد و الطّحال. فإن كانت جواذب الكبد أكثر و أشدّ كانت الأعمال لليمنى، و إن كانت جواذب الطّحال أكثر و أشدّ كانت الأعمال لليسرى.
و أما الذين زعموا أنّ الناس إنّما افترقوا بعد اجتماعهم و هم أطفال على العمل بالعسرى على قدر ما يجب على كلّ إنسان، و على قدر ما اتّفق-فهذا القول باطل، و لم تكن هاهنا علّة، و[لو][٤]كانت علّة ذلك [١]التوقيف: التبيين و الإرشاد. و في الأصل: «التوقف» ، تحريف.
[٢]كلاس و مقلاس، و ذكرهما الجاحظ في الحيوان ٦: ٢٨ على أنهما أعلام لبعض الحيوانات. و في الحيوان: «كيلاس» موضع «كلاس» .
[٣]السرق بفتح الراء و كسرها: السرقة.
[٤]تكملة يفتقر إليها الكلام.