البرصان و العرجان و العميان و الحولان - عمرو بن بحر الجاحظ - الصفحة ٨٣ - أبو أسيد عمرو بن هدّاب المازني ٨
قيل له: فإنّ الزّطّ[١]في الآجام يداومون بين السّمك و اللّبن، و هم مغتمسون في جميع أصناف الرّطوبات. و أهل البدو في بلاد الجفاء و الجفاف، و يداومون بين اللّبن و التمر. و ليس في الزّط من البرص ما ينكر، إلاّ أن تكون الحرارة هي التي تقذف بالبلغم من أجواف أهل البدو إلى ظاهر جلودهم. و ليس هو عندي كذا كما قالوا، و لكنّ العرب تتهاجى بالأشعار التي تشهر[٢]كلّ خير و شرّ، و تتعايب بالألفاظ المتعسّفة المستخشنة، التي تستدعي الرّواية و الحكاية. و الرّواة لا تعنى بلسان الزّط و سكّان الآجام؛ لهوانهم عليهم، و لأنّهم لم يتعايبوا بينهم بالكلام الذي يحفظ الرّواة مثله. و لو جمعتهم أيضا كلّهم لم يكونوا كقبيلة من قبائل بني سعد.
و هذا المقدار من عدد البرصان إنّما وجدتموه في جميع جزيرة العرب منذ كانت العرب إلى يومنا هذا. فهذا المقدار قليل، و لو قصدتم إلى أمّة من الأمم يكون عدد جماعتهم على الشّطر من عدد جماجم العرب[٣] لوجدتم عدد برصانهم على الضّعف من عدد برصان العرب. و لو لا طعن الحاسد لهم و الباغي عليهم لكنت عسى ألاّ أتحمّل لك نسخ هذا الكتاب مع ثقله علىّ، و باللّه التوفيق.
قالوا: و الإنسان يعتريه البرش من شرب اللّبن و أكل التّمر. و قد هجا [١]الزط: جيل من الهند، معرب «جتّ» بالفتح. و انظر تتمة التحقيق في حواشي الحيوان ٥: ٤٠٧.
[٢]في الأصل: «يشهر» .
[٣]جماجم العرب: القبائل التي تجمع البطون و ينسب إليها دونهم، نحو كلب ابن و برة، إذا قلت كلبى استغنيت أن تنسب إلى شيء من بطونهم.