فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٧٠٣ - المبحث الأول في ضابط التعارض
و يمتنع جعله في نفس الأمر و لكن بعد أن يكون كلّ منهما واجدا لشرائط الحجّيّة، فلو علم بكذب أحد الدليلين لمكان العلم بكون أحدهما غير واجد لشرائط الحجّيّة و اشتبه بما يكون واجدا لشرائطها كان ذلك خارجا عن باب التعارض [١] بل يكون من اشتباه الحجّيّة باللاحجّيّة، و لا يأتي فيه أحكام التعارض، و إنّما يعمل فيه ما تقتضيه قواعد العلم الإجمالي.
و في حكم ذلك ما إذا علم بعدم تشريع مؤدّى أحد الدليلين مع إمكانه ثبوتا، كما إذا كان مؤدّى أحد الدليلين وجوب الدعاء عند الهلال و كان مؤدّى الآخر وجوب دية الحرّ في قتل العبد المدبّر و علم بكذب مضمون أحدهما، فانّه أيضا ليس من باب التعارض، بل من باب اشتباه الحجّة باللاحجّة، و يعمل على ما يقتضيه العلم الإجمالي.
فظهر: أنّه مجرّد العلم بكذب أحد الدليلين صدورا أو مضمونا لا يكفي في وقوع التعارض بينهما، بل يعتبر في وقوع التعارض بين الدليلين أمران: أحدهما:
أن يكون كلّ منهما واجدا لشرائط الحجّيّة، ثانيهما: أن يمتنع اجتماع مدلولهما ثبوتا
______________________________
[١] أقول: باب اشتباه الحجّة باللاحجّة لا يحتاج إلى العلم بكذب أحدهما، بل هو صورة العلم بعدم عدالة أحد الراويين أو صدور أحدهما تقيّة و لو علم بصدورهما عن الإمام عليه السلام و هذه الجهة غير صورة العلم بكذب أحد الدليلين مع العلم بعدالتهما و عدم إعمال التقيّة فيهما، ففي هذه لا محيص من كونه من باب التعارض. و حينئذ ففي فرض العلم بعدم تشريع أحد الحكمين و لو من الخارج- كمثال الهلال و دية الحرّ- يدخل في باب التعارض و لو بالعرض، نظير ما اعترف به: من وجوب صلاة الظهر و الجمعة. و لا أظنّ أنّ أحدا يرى الفرق بين المثالين إلّا في وحدة سنخ الحكم في الثاني دون الأوّل، و إلّا فمع اشتراكهما في إمكان تشريع الحكمين ذاتا و امتناعه عرضا- الّذي هو ملاك التعارض بالعرض بين الدليلين- لا يبقى مجال التفرقة بينهما، و لقد تقدّم منه سابقا أيضا نظير هذا الكلام في الاستصحابين المثبتين، و تخيّل أنّ اتحاد سنخ الحكم أيضا له دخل في تعارضهما، و جعل المختلفان مضمونا داخل في فرض العلم بكذب أحدهما بلا تعارض بينهما، و لعمري! إنّ مثل هذه الدعوى مختصّ بمن لا يسأل عمّا يفعل، و إلّا فشأن القوم أجلّ من هذه الدعاوي! فتدبّر.