فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣١١ - الأمر الثاني
الوجود، كما إذا شكّ في بقاء نجاسة الماء المتغيّر الّذي زال عنه التغيّر من قبل نفسه، فانّه يجري استصحاب النجاسة فيه و لو لم يوجد في العالم ماء متغيّر.
و السرّ في ذلك: هو أنّ متعلّق الشكّ في الاستصحابات الحكميّة إنّما هو الحكم الكلّي المترتّب على موضوعه المقدّر وجوده مع تبدّل بعض حالات الموضوع، و بذلك يمتاز عن استصحاب عدم النسخ عند الشكّ فيه، فانّه في استصحاب عدم النسخ لا يحتاج إلى فرض وجود الموضوع و تبدّل بعض حالاته، و أمّا استصحاب الحكم الكلّي في الشبهات الحكميّة فيحتاج إلى فرض وجود الموضوع و تبدّل بعض حالاته، و لا يحتاج إلى تحقّق الموضوع خارجا، كما هو الشأن في الاستصحابات الجارية في الشبهات الموضوعيّة، و من هنا كان إعمال الاستصحاب في الشبهات الحكميّة من وظيفة المجتهد و لا حظّ للمقلّد فيه، و لا يجوز للمجتهد الفتوى بحجّيّة الاستصحاب في الشبهة الحكميّة لأنّ تطبيقها ليس بيد المقلّد، بل لا بدّ للمجتهد من الفتوى بالحكم المستخرج من إعمال الاستصحاب، فينطبق على ما تقدّم من ضابط المسألة الأصوليّة، فانّ حجّيّة الاستصحاب في الشبهات الحكميّة يقع كبرى لقياس استنباط الحكم الكلّي، و ذلك واضح.
و أمّا البحث عن حجّيّة الاستصحاب في الشبهات الموضوعيّة: فهو إنّما يكون بحثا عن قاعدة فقهيّة، لأنّ النتيجة فيه حكم عمليّ له تعلّق بعمل الآحاد ابتداء، فانّ اليقين و الشكّ من كلّ مكلّف- مقلّدا كان أو مجتهدا- يكون موضوعا مستقلا لجريان الاستصحاب، كالشكّ المعتبر في قاعدة التجاوز و الفراغ، فالّذي يجري الاستصحاب في الموضوعات الخارجيّة إنّما هو آحاد المكلّفين على حسب ما يعرض لهم من الشكّ و اليقين، و ليس للمجتهد إلّا الفتوى بحجيّة الاستصحاب في الموضوعات، و أمّا أعماله فهو يدور مدار شكّ المقلّد و يقينه، و النتيجة لا تكون إلّا الحكم الجزئي المتعلّق بعمله الخاصّ الّذي