فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١١٧ - المقام الثاني في الشبهة الغير المحصورة
و قد اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك، فعن بعض تحديدها ببلوغ الأطراف إلى حدّ تعسير عدّها، و زاد بعض قيد «في زمان قليل» و عن بعض آخر إرجاعها إلى العرف، و قد قيل في تحديدها أمور أخر لا تخفى على المتتبّع، مع ما فيها: من عدم الانعكاس و الاطّراد.
و الأولى أن يقال: إنّ ضابط الشبهة الغير المحصورة هو أن تبلغ أطراف الشبهة حدّا لا يمكن عادة جمعها في الاستعمال: من أكل أو شرب أو لبس أو نحو ذلك [١] و هذا يختلف حسب اختلاف المعلوم بالإجمال.
فتارة: يعلم بنجاسة حبّة من الحنطة في ضمن حقّة منها، فهذا لا يكون من الشبهة الغير المحصورة، لإمكان استعمال الحقّة من الحنطة بطحن و خبز و أكل، مع أنّ نسبة الحبّة إلى الحقّة تزيد عن نسبة الواحد إلى الألف.
و أخرى: يعلم بنجاسة إناء من لبن البلد، فهذا يكون من الشبهة الغير المحصورة و لو كانت أواني البلد لا تبلغ الألف، لعدم التمكّن العادي من جمع الأواني في الاستعمال و إن كان المكلّف متمكّنا من آحادها.
فليس العبرة بقلّة العدد و كثرته فقط، إذ ربّ عدد كثير تكون الشبهة فيه محصورة، كالحقّة من الحنطة.
كما أنّه لا عبرة بعدم التمكّن العادي من جمع الأطراف في الاستعمال فقط، إذ ربّما لا يتمكّن عادة من ذلك مع كون الشبهة فيه أيضا محصورة، كما لو كان بعض الأطراف في أقصى بلاد المغرب، بل لا بدّ في الشبهة الغير المحصورة عما تقدّم في الشبهة المحصورة من اجتماع كلا الأمرين: و هما كثرة العدد و عدم
______________________________
[١] أقول: لا يخلو هذه الضابطة أيضا عن شبهة، لأنّه ربّما يتمكّن عادة عن الابتلاء بالجميع بطول الزمان و تدريج المضي من الليالي و الأيّام، فلا بدّ من أن يحدّد مقدار أيضا بحيث يصدق عليه كون كلّ واحد محلّ ابتلائه على وجه لا يصير طول الزمان منشأ لخروجه عنه، كما لا يخفى.