فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٩ - و أما الجهة الثانية
فمن الأوّل: ما إذا ورد عامّ، كقوله: «أكرم العلماء» و علم بخروج زيد و عمرو عن العامّ، و لكن شكّ في أنّ خروجهما هل هو على وجه الإطلاق بحيث لا يجب إكرام كلّ منهما في حال من الأحوال؟ أو أنّ خروجهما ليس على وجه الإطلاق بل كان خروج كلّ منهما مشروطا بحال عدم إكرام الآخر؟ بمعنى أن يكون عدم وجوب إكرام كلّ منهما مقيّدا بحال إكرام الآخر بحيث يلزم من خروج أحدهما عن العموم دخول الآخر فيه.
و بعبارة أوضح: يدور أمر المخصّص بين أن يكون أفراديّا و أحواليّا لو كان خروج الفردين على وجه الإطلاق، أو أحواليّا فقط لو كان خروج أحدهما في حال دخول الآخر. و الوظيفة في مثل هذا الفرض هو التخيير في إكرام أحد الفردين و ترك إكرام الآخر، و لا يجوز ترك إكرام كلّ منهما، لأنّ مرجع الشّك في ذلك إلى الشّك في مقدار الخارج عن عموم وجوب إكرام العلماء، و لا بدّ من الاقتصار على المتيقّن خروجه و هو التخصيص الأحوالي فقط، لأنّه لو قلنا بخروج الفردين مطلقا في جميع الأحوال يلزم زيادة تخصيص على ما إذا كان الخارج كلّ منهما مشروطا بدخول الآخر، فانّه على هذا يدخل أحد الفردين تحت العموم على كلّ حال، فلا محيص عن القول بالتخيير في إكرام أحدهما و عدم إكرام الآخر
______________________________
مع التزاحم في فرديته، إلّا عدم إمكان الجمع بين الفعلين للتكليف بما لا يطاق، و إن فرض في مقامنا أيضا حكم العقل بامتناع الجمع بين الحلّيتين لا يقتضي هذا المانع إلّا رفع اليد عن أحدهما لا كليهما، سواء كان ذلك من جهة التزامه بالتقيد الحالي في إطلاق «كلّ شيء لك حلال» مثلا، أو من جهة كشف العقل عن الحلّيّة التخييريّة بعين كشفه في باب المتزاحمين، و حينئذ ليس لك أن تقول بعد التطويل المملّ: إنّ التخيير في المقام ممكن ليس له دليل. و نسأل عنك بأنّ تطبيق ما ذكرت في الأمثلة بعينه في المقام بلا زيادة و نقصان، و لا تظنّ سوء بذوي الأفهام، و لا تظنّ لرفع هذه الغائلة على مذهب إطلاق الأخبار و الاقتضاء في منجّزيّة العلم بالنسبة إلى الموافقة القطعيّة، و حينئذ فعليك بتنقيح عليّة العلم حتّى في هذا المقام، أو الالتزام بمعارضة مطلقات أدلّة الأصول مع عموم وجوب النقض باليقين في ذيل أخبار الاستصحاب، كما أشرنا، فتدبّر فانّه دقيق نافع.