فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٦٤ - الأمر الثالث
...........
______________________________
نعم: تأثير هذا الاشتياق المبرز كما أنّه منوط بوجود الموضوع مقدّمة لتطبيق خطابه، كذلك منوط بالعلم به، فلو كان مفاد الخطابات هذا الأمر المنوط يلزم اختصاص مضمون الخطاب بالعالم به، و ليس كذلك، فلا محيص من الالتزام بأنّ مضامين الخطاب ليس إلّا نفس الإرادة أو الطلب المبرز بإنشائه الكلامي، و أنّ مرتبة تأثيرها متأخّر عنها رتبة، و هو المساوق لرتبة امتثالها، مع أنّه على فرض تخصيص فعليّة الحكم بهذه المرتبة لا يكون هذه المرتبة أيضا جعليّا، كيف! و العقل بمجرّد الالتفات إلى اشتياق المولى- و لو بإعلامه إيّاه بخطابه- يحكم بتأثير مثل هذا الخطاب في حكم العقل بلزوم الامتثال، فيا ليت شعري! أنّ القائل بجعليّة الأحكام التكليفيّة أيّ مرتبة يريد؟ و نحن لا نتعقّل إلّا تكوين الاعلام بكلامه، و هذا المعنى آب عن جعليّة الحكم في عالم التشريع و في مقام الحقيقة، كما هو الشأن في الأحكام الوضعيّة، فانّه لا محيص من جعليّته فيها.
ثمّ إنّ المبرز بخطاب المولى تارة: إرادة فعليّة غير منوط بوجود الشيء في لحاظ الآمر، و أخرى:
منوط بوجوده، و مرجع إناطة الإرادة إلى اشتياق فعلي في ظرف لحاظ الشيء، لا أنّ الاشتياق تقديري، كما هو الشأن في سائر الوجدانيّات: من العلم و التمنّي و أمثالهما، و السرّ في ذلك: هو أنّ هذه الصفات في فعليّتها بأيّ نحو من التعلّق لا يحتاج إلى وجود المتعلّق خارجا، و أنّها ممّا كان ظرف عروضها الذهن و أنّ الخارج ظرف اتّصافها، نعم: لا بدّ و أن يكون الملحوظات الذهنيّة بنحو يرى خارجيّة على وجه لا يلتفت إلى ذهنيّتها، كما هو الشأن في تعلّق القطع و الظنّ بها عند تخلّفها عن الواقع، و هكذا بالنسبة إلى ما أنيط بها. و لذا في القضايا التعليقيّة ترى الجزم بوجود شيء منوطا بوجوده في لحاظه متحقّقا على وجود المنوط في ظرف ملحوظه. و لا يتوهّم: بأنّ مركز جزمه الملازمة بينهما، إذ هما مفهومان متغايران متلازمان، و الجزم بأحد المفهومين غير الجزم بالآخر، لأنّ قوام أنحاء التصديق بأنحاء تصوّره.
فإذا عرفت ذلك ترى أنّ لبّ الإرادة المشروطة يرجع إلى فعليّة الاشتياق التامّ القائم بالنفس في ظرف لحاظ الشيء خارجا، قبال الإرادة المطلقة الراجعة إلى الاشتياق بالشيء لا في ظرف وجود شيء آخر في لحاظه، و ربّما يفترقان في عالم التأثير، حيث إنّ تأثير الإرادة في ظرف الشيء لا يكون إلّا بوجوده خارجا، و من هذا الباب كلّيّة إناطة الإرادة بموضوعه. و حينئذ فمفاد الخطاب المشروط ليس إلّا هذه الإرادة في ظرف الشيء لحاظا، ففي الحقيقة الاشتياق الفعلي قائم بفرض وجود الموضوع أو الشرط، فصحّ لنا أن نقول: إنّ المبرز بالخطابات الّتي هي روح الحكم المتجسّم بإبرازه بخطابه في جميع المقامات فعلي قائم على الوجودات الفرضيّة و اللحاظيّة، لا أنّ مفاد الخطاب مجعول فرضي بفرض وجود موضوعه، نظير الملكيّة الفرضيّة في العقود التعليقيّة. و حينئذ لنا دعوى أجنبيّة القضايا الطلبيّة عن القضايا الحقيقيّة