فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٥٤ - الأمر الثالث
التكليف، لما عرفت من قبح التكليف و استهجانه عند عدم القدرة العقليّة أو العاديّة، فقياس باب القدرة بباب الإرادة ليس في محلّه، لعدم استهجان النهي عن فعل ما لا يحصل الداعي إلى إيجاده عادة، و استهجان النهي عن الفعل ما لا يتمكّن من إيجاده عادة، و الّذي يدلّك على ذلك ملاحظة النواهي في الموالي و العبيد العرفيّة، فانّه لا يكاد يشكّ في عدم حسن النهي عن فعل ما لا يقدر على فعله عادة، و حسن النهي عن فعل ما لا يحصل الداعي إلى فعله، كما لو فرض أنّ العبد بحسب طبعه لا يميل إلى شرب التتن و لا تنقدح إرادته في نفسه، فانّه لا ينبغي التأمّل في صحّة نهي المولى عن شربه و لا يعدّ لاغيا في نهيه، بخلاف من لم يقدر على شرب التتن عادة، كما لو كان في أقصى بلاد الهند و لا تصل يده إليه عادة، فانّه يقبح النهي عن شربه و يعدّ لاغيا في نهيه، و هو واضح لكلّ من راجع الطريقة المألوفة بين العقلاء في الأوامر و النواهي العرفيّة.
و قد ظهر ممّا ذكرنا الوجه في عدم تأثير العلم الإجمالي إذا كان بعض أطرافه خارجا عن مورد الابتلاء لعدم التمكّن العادي من الاقتحام فيه.
و حاصله: أنّ العلم الإجمالي إنّما يكون مؤثّرا إذا كان المعلوم بالإجمال ممّا يصحّ النهي عنه في أيّ طرف كان حتّى يعلم بالتكليف على كلّ تقدير، و مع خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء لا علم بالتكليف على كلّ تقدير، لاحتمال أن يكون متعلّق التكليف هو الخارج عن مورد الابتلاء، فلا يجري فيه الأصل النافي للتكليف، لأنّه لا يترتّب عليه أثر عملي و يبقى الطرف الآخر الّذي يمكن الابتلاء به جاريا فيه الأصل بلا معارض.
ثمّ إنّه قد يشكّ في إمكان الابتلاء ببعض الأطراف و عدمه، فانّ للقدرة العادية مراتب مختلفة يختلف حسن الخطاب و عدمه حسب اختلاف مراتبها، فانّ الخمر الموجود في أقصى بلاد الهند أو الأبعد منه مثلا ممّا يقطع بخروجه عن مورد الابتلاء و عدم التمكّن العادي منه، كما أنّ الخمر الموجود في هذا البلد ممّا يقطع