فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٨١ - الأمر الثاني
و لكن التحقيق: أنّ الأمور الاعتباريّة مباينة للأمور الانتزاعيّة، فانّ وعاء الاعتبار يباين وعاء الانتزاع.
و توضيح ذلك: هو أنّ الشيء تارة: يكون تقرره و وجوده في وعاء العين بحيث يكون بنفسه من الثابتات في الأعيان الخارجيّة سواء كان من المجرّدات أو من الماديات.
و أخرى: يكون تقرّره و وجوده في وعاء الاعتبار، فيكون تقرّره و ثباته بيد من ينفذ اعتباره، فهو متأصّل في عالم الاعتبار، كما أنّ الأوّل كان متأصّلا في عالم الأعيان، غايته أنّ تأصّل الأوّل و وجوده إنّما يكون بتعلّق الإرادة التكوينيّة الإلهيّة به، و تأصّل الثاني إنّما يكون باعتباره، فهو يوجد بنفس اعتبار من بيده الاعتبار، كاعتبار السلطان سكّة الدراهم و الدنانير، فانّ السكّة المضروبة على الدراهم و الدنانير لا ماليّة لها في حدّ ذاتها و إنّما تكون ماليّتها بنفس اعتبار السلطان لها، و لمكان نفوذ اعتباره يثبت للسكّة ماليّة.
و ثالثة: لا يكون للشيء نحو تقرّر و وجود لا في وعاء العين و لا في وعاء الاعتبار، بل يكون وجوده بانتزاعه عن منشأ الانتزاع، فهو بنفسه لا تقرّر له، و إنّما التقرّر لمنشإ الانتزاع، سواء كان منشأ الانتزاع من الأمور الّتي لها تقرر في وعاء العين أو كان لها تقرّر في وعاء الاعتبار، فانّه يصحّ الانتزاع عن كلّ من الموجود في عالم الأعيان و الموجود في عالم الاعتبار. فالأوّل: كانتزاع العلّيّة و المعلوليّة من العلّة و المعلول الخارجي التكويني، و الثاني: كانتزاع السببيّة من العقد الّذي صار سببا للملكيّة و الزوجيّة في عالم الاعتبار، إذ ليس العقد سببا للملكيّة تكوينا، فانّ الملكيّة لا وجود لها إلّا في وعاء الاعتبار، فسببها أيضا يكون من الأمور الاعتباريّة لا محالة.
و حاصل الكلام: أنّ الأمور الانتزاعيّة إنّما تكون من خارج المحمول ليس لها ما بحذاء في الخارج، سواء كان انتزاعها من مقام الذات كالعلّيّة و الإمكان