فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٧٨٥ - الأمر الثاني
فالأقوى: وجوب الترجيح بالصفات الّتي لها دخل في أقربيّة صدور أحد المتعارضين- كالأصدقيّة في القول و الأوثقيّة في النقل- ضرورة أنّه ليس كلّ صفة في الراوي تكون مرجّحة لروايته، فانّ الورع و التقوي و المواظبة على أداء الفرائض و السنن لا دخل لها في نقل الرواية، إذ ربّما يكون الفاسق أضبط و أتقن في نقل الحديث من العادل. و المراد من قوله عليه السلام في المقبولة: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما» ليس الأعدليّة و الأورعيّة بمعنى الزهد في الدنيا، بل المراد منه الأعدليّة و الأورعيّة في نقل الأحاديث.
ثمّ إنّ في وجوب تقديم الترجيح بالصفات على الترجيح بالشهرة إشكال [١] و لا يبعد أن يكون الترجيح بالشهرة مقدّما على الترجيح بالصفات، لأنّه في المقبولة جعلت الشهرة أوّل مرجّحات الخبرين المتعارضين، حيث قال عليه السلام بعد فرض كون الحكمين متساويين في الصفات: «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك إلخ».
و الظاهر: أن يكون عمل المشهور أيضا على ذلك، فانّهم لا يزالون يقدّمون المشهور على غيره و لو كان راوي الغير أعدل و أصدق.
الأمر الثاني:
قد تقدّم- في مبحث الظنّ- أقسام الشهرة و ما يصلح منها للترجيح، و لا بأس بإعادته إجمالا في المقام، فنقول: إنّ الشهرة على أقسام ثلاثة: شهرة روائيّة، و شهرة عمليّة، و شهرة فتوائيّة.
أمّا الشهرة الروايتية: فهي عبارة عن اشتهار الرواية بين الرّواة و تدوينها في
______________________________
المناسبة أيضا. و من هنا ظهر انه لا بعد في مرجحية مطلق الأعدلية مرجحة للحكم كالأورعية، فتدبر.
[١] أقول: على الكلام الأول يقتضي تقديم الترجيح بالصفات على الترجيح بالشهرة، لتقدمها على جميع المرجحات حتى الشهرة.