فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٨٣ - و أما امتيازها عنه حكما
الأصول العمليّة المحرزة إنّما هو الجهة الثالثة.
و أمّا الجهة الأولى: فهي من اللوازم التكوينيّة للعلم الوجداني غير قابلة لأنّ تنالها يد الجعل التشريعي، و قد تقدّم تفصيل ذلك كلّه في الجزء الثالث من الكتاب عند البحث عن قيام الطرق و الأصول مقام القطع الطريقي، و إجماله:
هو أنّ العلم عبارة عن الصورة الحاصلة في نفس العالم و بتوسّط تلك الصورة ينكشف ذو الصورة و يكون محرزا لدى العالم، فالعالم إنّما يرى ذا الصورة بتوسّط الصورة المرتسمة في النّفس، و من هنا يكون المعلوم أوّلا و بالذات نفس الصورة [١] و لأجل كونها مطابقة لذي الصورة يكون ذو الصورة معلوما ثانيا و بالتبع، و هذا من غير فرق بين أن يكون العلم من مقولة الكيف أو الفعل أو الانفعال أو غير ذلك، فانّه على جميع التقادير لا يتعلّق العلم بالذوات الخارجيّة إلّا بتوسّط ما يكون بمنزلة المرآة و القنطرة لها، فكاشفيّة العلم عن المتعلّق إنّما تكون بعد قيام الصورة في النّفس فيتعقّبها الكاشفيّة و الإحراز، ثمّ يتعقّب الكاشفيّة و الإحراز الحركة و الجري العملي نحو المتعلّق، فالعطشان العالم بوجود الماء في المكان الكذائي يطلبه و يتحرّك نحوه، و الخائف العالم بوجود الأسد في الطريق يفرّ منه و يترك سلوكه، فالجري العملي و حركة العضلات إنّما يكون بعد إحراز المتعلّق.
فهذه الجهات الثلاث مترتّبة في الوجود، بمعنى أنّ الجهة الأولى متقدّمة
______________________________
[١] أقول: الأولى أن يقال: إنّ الصور بملاحظة لحاظها خارجيّة بلا التفات إلى ذهنيّتها صار منشأ لاتّصاف الخارج بالمعلوميّة، و لا يكون المتّصف بالمعلوميّة إلّا هو، و إلّا فالصور الذهنيّة آبية عن هذا الاتّصاف، و إنّما هي معروضات للعلم، فيكون العلم في عالم العروض قائمة بالصور و في عالم الاتّصاف محمولة للخارجيّات، فإطلاق المعلوميّة لا يصحّ إلّا بالنسبة إلى الخارجيّات، غاية الأمر بتوسيط عروضها للصور، لا أنّ معلوميّة الخارجيّات تبع لمعلوميّة الصور، فانّ نسبة العلم إلى الصور الذهنيّة غير نسبته إلى الخارجيّات، كما هو الشأن في كلّ ما كان من الوجدانيّات كالإرادة و غيرها، كما لا يخفى.