فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٨٥ - و أما امتيازها عنه حكما
الظاهر أنّه ليس فيما بأيدينا من الطرق و الأمارات ما يكون مخترعا شرعيّا، بل جميع الطريق و الأمارات ممّا يتعاطاها يد العرف في إثبات مقاصدهم، كالأخذ بالظواهر و العمل بالخبر الواحد و نحو ذلك من الطرق و الأمارات، فهي عندهم محرزة للمؤدّى و كاشفة عنه و واسطة لإثبات مقاصدهم كالعلم، و الشارع قد أبقاها على حالها و أمضى ما عليه العرف، فالأمارات تكون كالعلم من حيث الإحراز و الكاشفيّة و إثبات المؤدّى، و ليس أخذ العقلاء بالأمارات لمجرّد تطبيق العمل على مؤدّياتها بلا توسّط الإحراز، فانّه ليس في بناء العقلاء تعبّد في مقام العمل، فتطبيق عملهم على ذلك إنّما هو لكونها محرزة للمؤدّى.
فظهر: أنّ المجعول في الأمارات ليس هو مجرّد تطبيق العمل على المؤدّى، بل تطبيق العمل على المؤدّى من لوازم المجعول فيها، و إنّما المجعول أوّلا و بالذات
______________________________
الأصول. و الإشكال عليه: بأنّ هذه المرتبة من الحجّيّة أيضا غير قابلة للجعل له مقام آخر و لكن لا إشكال في اعتباريّة الحجّيّة حقيقة، و إنّما الإشكال في جعليّته أو انتزاعيّته من جعل آخر.
و على أيّ حال: فرق بين الحجّيّة و الطريقيّة بمعنى الكاشفيّة التّامّة بنفي احتمال الخلاف. و مجرّد إمضائيّة هذه الجهة للطريقيّة العرفيّة لا يقتضي جعليّة هذا المعنى بحقيقته لدى العرف، بل المرتكز في أذهانهم أيضا إلقاء احتمال الخلاف في طرقهم عناية و تنزيلا لا حقيقة، فحركتهم على طبق طرقهم ناش عن بنائهم على انكشاف الواقع، لا على انكشافه حقيقة، و لا نعني من البناء المزبور إلا العناية و التنزيل، و الشارع أمضى أيضا هذه العناية. و من هذه الجهة قلنا: بأنّ هذا البناء شرعا و التنزيل يحتاج إلى أثر كي يكون البناء و التنزيل بلحاظه، و إلا فبدونه لا اعتبار للتنزيل. فلا محيص حينئذ من الالتزام بوجود أمر طريقي هو المصحّح للعقوبة، و إلّا فنفس التنزيل المزبور بلا مصحّح له شرعا لا اعتبار له، كي يصلح للمنجّزيّة، و لقد شرحنا هذه المقالة في مسألة جعل الطرق.
و بالجملة: فالمقرّر خلط بين مسلك جعل الحجّيّة بمعنى القاطعيّة للعذر- الّذي أفاد أستاذنا بأنّها من الأمور الاعتباريّة و من الأحكام الوضعيّة كالملكيّة و الجزئيّة- و بين جعل الكاشف و الطريقيّة الملازم للوسطيّة في إثبات الحكم الّذي بهذه العناية يقوم مقام العلم و حاكم على الأصول، و ذلك يتخيّل أنّ الكاشفيّة أيضا من سنخ الملكيّة الّتي يكون بحقيقته جعليّا، و لعمري! انّه وقع من السماء إلى الأرض بلا التفات إلى اختلاف المسالك بحقيقته و نتيجته، فتدبّر بعين الإنصاف.