فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٨٧ - و أما امتيازها عنه حكما
بها لمحض الجري العملي على طبق المؤدّى بلا توسّط الإحراز.
إذا عرفت ذلك فقد ظهر لك السرّ فيما اشتهر بين المتأخّرين: من اعتبار مثبتات الأمارات دون مثبتات الأصول، فانّ الوجه في ذلك إنّما هو لمكان أنّ المجعول في باب الأمارات معنى يقتضي اعتبار مثبتاتها و لو بألف واسطة عقليّة أو عاديّة، بخلاف المجعول في باب الأصول العمليّة، فانّه لا يقتضي أزيد من اعتبار نفس مؤدّى الأصل، أو ما يترتّب عليه من الأحكام الشرعيّة بلا واسطة عقليّة و عاديّة.
بيان ذلك: هو أنّ الأمارة إنّما تحكي عن نفس المؤدّى و لا تحكي عن لوازم المؤدّى و ملزوماته الشرعيّة بما لها من الوسائط العقليّة أو العاديّة [١] فانّ البيّنة أو الخبر الواحد إنّما يقوم على حياة زيد أو موت عمرو، فهو إنّما يحكي عن نفس الحياة و الموت، و لا يحكي عن نبات اللحية و ما يستتبعه: من الآثار الشرعيّة أو العقليّة و العاديّة، بداهة أنّ المخبر بالحياة ربّما لا يلتفت إلى نبات اللحية فضلا عمّا يستتبعه، و الحكاية عن الشيء فرع الالتفات إليه، فليس الوجه في اعتبار مثبتات الأمارة كونها حاكية عن لوازم المؤدّى و ملزوماته، بل الوجه فيه هو أنّ الأمارة إنّما تكون محرزة للمؤدّى و كاشفة عنه كشفا ناقصا و الشارع بأدلّة اعتبارها قد أكمل جهة نقصها، فصارت الأمارة ببركة اعتبارها كاشفة و محرزة كالعلم، و بعد انكشاف المؤدّى يترتّب عليه جميع ما للمؤدّى من الخواصّ و الآثار على قواعد سلسلة العلل و المعلولات و اللوازم و الملزومات [٢] و لا يحتاج
______________________________
[١] أقول: و ذلك لأنّ حكاية الخبر فرع دلالته التصديقيّة، و ذلك لا يتحقّق إلّا مع التفات المخبر بالملازمة، و إلّا لا معنى للتصديق بمراده من كلامه. و لقد أجاد المقرّر فيما أفاد و لكنّه أخطأ في خياله بأنّ مجرّد التعبّد بالظنّ بالملزوم يستلزم ترتيب اللوازم بلا احتياج إلى التعبّد بالظنّ باللازم أيضا، فتدبّر.
[٢] أقول: كيف يترتّب الآثار بلا علم بها لا حقيقة و لا تعبّدا؟ و مجرّد العلم بالملزوم تعبّدا لا يقتضي إلّا بتطبيقه تعبّدا، و هو غير ملازم لتطبيق الآثار مع الشكّ فيها وجدانا، فلا مجال حينئذ لترتيب الأثر إلّا