فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٥٣ - الأمر الثالث
إيجاده، كما لو فرض أنّ المكلّف بحسب طبعه لا يميل إلى شرب الخمر و لا تنقدح في نفسه إرادته و لو لم يتعلّق به النهي، كما يشاهد ذلك في بعض المنهيّات الشرعيّة بالنسبة إلى بعض الأشخاص، فانّ صاحب المروّة يأبى عن كشف العورة بمنظر من الناس و لو لم يكن منهيّا عنه، فترك مثل هذا الفعل حاصل بنفسه عادة من صاحب المروّة، فيلزم استهجان التكليف بستر العورة و لغويّة النهي عن كشفها، و ذلك ممّا لا يمكن الالتزام به، فانّه يلزم قصر النواهي الشرعيّة بمن تنقدح في نفسه إرادة الفعل و يحصل له الداعي إلى إيجاد المنهيّ عنه، بل يلزم قصر الأوامر الشرعيّة أيضا بمن لم يكن مريدا للفعل بنفسه و خروج من كان يحصل له الداعي إلى إيجاد متعلّق الأمر من عند نفسه و لو لم يتعلّق به الأمر، لاستهجان التكليف بفعل ما يوجده المكلّف من عند نفسه، و هو كما ترى واضح البطلان.
قلت: فرق بين عدم القدرة عادة على الفعل و بين عدم إرادة الفعل عادة [١] فانّ القدرة من شرائط حسن الخطاب، و لا بدّ من أخذها قيدا في التكليف لقبح التكليف مع عدم القدرة العقليّة و استهجانه مع عدم القدرة العاديّة، بالبيان المتقدّم.
و أمّا إرادة الفعل فليس لها دخل في حسن الخطاب و لا يعقل أخذها قيدا في التكليف وجودا و عدما، لأنّ التكليف إنّما هو لبعث الإرادة، فلا يمكن أن يكون التكليف مقيّدا بحال وجود الإرادة و لا بحال عدمها لا بالتقييد اللحاظي و لا بنتيجة التقييد، و هذا بخلاف القدرة، فانّها بكلا قسميها من العقليّة و العاديّة من الانقسامات السابقة على التكليف الّتي لا بدّ من اعتبارها في متعلّق
______________________________
[١] أقول: إذا كان المانع عن الإقدام تنفر الطبع فلا بأس بتقيّد الخطاب بعدمه، و ذلك غير تقيّده بإرادته، بل الإرادة من تبعاته كتبعيّتها للقدرة العادية، فلو كان مناط الاستهجان مجرّد تركه عادة لا فرق بين الترك لعدم القدرة أو لتنفر الطبع، فذلك يكشف بأنّ مجرّد ذلك لا يكون مناط استهجان الخطاب، بل مناطه شيء آخر لا فرق فيه بين الأمر و النهي، كما لا يخفى.