فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٦٤ - الأمر الثالث
و السرّ في ذلك: هو أنّ تنجّز التكاليف إنّما يكون بوصولها إلى المكلّفين، لأنّها بوجوداتها الواقعيّة قاصرة عن أن تصير داعيا لحركة العضلات، فانّ الشيء بوجوده الواقعي غير قابل لتحريك الإرادة و انقداحها في النّفس، بل المحرّك للإرادة هو الوجود العلمي، من غير فرق في ذلك بين الأمور التكوينيّة و التشريعيّة، فالتكاليف الشرعيّة ما لم تصل إلى المكلّف لا تصلح للداعويّة، فكلّ ما أوجب وصول التكاليف تكوينا أو تشريعا يكون شرطا لتنجيزها، لأنّ التنجيز إنّما يكون بالوصول، و الموجب للوصول ليس هو إلّا العلم أو ما يقوم ما مقامه، و إمّا سائر الانقسامات المتأخّرة عن الخطاب الحادثة بحدوثه فليس شيء منها توجب الوصول [١] و منها إمكان الابتلاء و عدمه على فرض تسليم كونه من الانقسامات المتأخّرة [٢].
و الحاصل: أنّ مجرّد كون الابتلاء من القيود المترتّبة على الخطاب لا يقتضي أن يقع في عدد شرائط التنجيز، و إلّا كان كلّ قيد مترتّب على الخطاب شرطا للتنجيز، و هو كما ترى ممّا لا يمكن الالتزام به! لما عرفت من أنّه يعتبر في شرط
______________________________
الاستحقاق المزبور ليس مجرّد الوصول محضا، بل كما للوصول دخل فيه كذلك للقدرة عليه أيضا دخل في فعليّته، فلا معنى لحصر أسباب التنجيز بخصوص الوصول بعد فرض جعل القدرة خارجة عن شرائط أصل الخطاب، بشهادة جعلها من الانقسامات اللاحقة الغير الموجبة لتقيد الخطاب به.
[١] أقول: و لعمري! انّ هذا البرهان أشبه شيء بما هو المعروف بأنّه لم يرفع المؤذّن يديه و يضعهما في اذنه؟ فأجيب بأنّه لو وضع يديه على فمه لم يقدر أن يؤذّن، إذ تمام الكلام في إخراج القدرة عن شرائط التنجّز و حصره بالوصول، فهل يناسبه بيان أنّه لو لا الوصول لا يتنجّز و أنّ بقية الأمور الأخر ليس ممّا يوجب الوصول؟
[٢] لا يخفى أنّه لا مجال للتمسّك بالإطلاقات اللفظيّة بعد تسليم كون الابتلاء من القيود المتأخّرة عن الخطاب و إن لم يكن من شرائط التنجيز، فانّه لا ملازمة بين عدم كونه شرطا للتنجيز و بين صحّة التمسّك بالإطلاقات، إذ يكفي في المنع عن التمسّك بالإطلاقات مجرّد كونه من الانقسامات المترتبة على الخطاب، كما لا يخفى، فالأولى منع كونه من الانقسامات المترتبة (منه).