فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٢ - و أما الجهة الثانية
و الحاصل: أنّ مجرّد عدم صحّة الجمع في إجراء الأصلين المتعارضين لا يوجب الحكم بالتخيير بينهما، فانّ الحكم التخييري كسائر الأحكام يحتاج إلى قيام الدليل عليه. و قياس باب الأصول العمليّة بباب الأمارات على القول بالسببيّة فيها ليس في محلّه، لما عرفت من أنّ التخيير في العمل بإحدى الأمارتين المتعارضتين على ذلك القول إنّما هو لأجل أنّ المجعول في الأمارات يقتضي التخيير في صورة التعارض لاندراجها في باب التزاحم الّذي قد عرفت أنّ التخيير فيه ينشأ من ناحية المجعول، بالبيان المتقدّم، و أين هذا من باب الأصول العمليّة المجعولة وظيفة للشاكّ في الحكم أو الموضوع؟.
فظهر: أنّ القول بالتخيير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين ممّا لا دليل عليه، و إنّما أطلنا الكلام في ذلك، لأنّ شبهة التخيير قد غرست في أذهان بعض طلبة العصر، و بعد البيان المتقدّم لا أظنّ بقاء الشبهة في الأذهان [١] و سيأتي في آخر الاستصحاب مزيد توضيح لذلك.
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ القاعدة في مورد تعارض الأصول تقتضي السقوط، و يبقى التكليف المنجّز المعلوم بالإجمال على حاله [٢] و العقل يستقلّ بوجوب
______________________________
الإرادة السببيّة على خلافه.
[١] أقول: و لكن لا كلّ ما يتمنّى المرء يدركه! إذ قد تقدّم بطلانه بما لا مزيد عليه.
[٢] أقول: بعد ما كان العلم الإجمالي في ظرف عدم الانحلال لا قصور في سببيّته، لاشتغال ذمّة المكلّف بالمعلوم، و في هذه المرحلة لا يكون قابلا لمنع المانع بشهادة ارتكاز الذهن من التناقض بين الإلزام المعلوم و ترخيصه على ترك هذا المعلوم بنحو الإجمال، بعين التناقض الّذي يرى العقل في هذا الترخيص في العلم التفصيليّ، فلا محيص من الالتزام بأنّ العلم الإجمالي كالعلم التفصيليّ علّة تامّة للاشتغال.
و لئن شئت فعبّر بأنّ حكم العقل بثبوت التكليف في عهدة المكلّف حكم تنجيزي غير قابل لورود ترخيص شرعي مانع عن أصل الاشتغال، كما هو الشأن في العلم التفصيليّ، و حيث ثبت به الاشتغال المزبور، ينتهي النوبة إلى مرحلة الفراغ، و في هذه المرحلة أيضا نقول: إنّه لا شبهة في اكتفاء العقل بالفراغ الجعلي، كما هو الشأن في العلم التفصيلي، و حينئذ فكلّ أمارة أو أصل يوجب تعيين مصداق التكليف