فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣١ - و أما الجهة الثانية
إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ القول بالتخيير في باب تعارض الأصول ممّا لا شاهد عليه، لا من ناحية الدليل و الكاشف، و لا من ناحية المدلول و المنكشف.
أمّا انتفاء الشاهد من ناحية الدليل: فهو ممّا لا يكاد يخفى، فانّ دليل اعتبار كلّ أصل من الأصول العمليّة إنّما يقتضي جريانه عينا سواء عارضه أصل آخر أو لم يعارضه، و ليس في الأدلّة ما يوجب التخيير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين [١] و أمّا انتفاء الشاهد من ناحية المدلول: فلأنّ المجعول في باب الأصول العلميّة ليس هو إلّا الحكم بتطبيق العمل على مؤدّى الأصل، إمّا بقيد أنّه الواقع، و إمّا لا بقيد ذلك- على اختلاف المجعول في باب الأصول التنزيليّة و غيرها- و لكنّ الحكم بذلك ليس على إطلاقه، بل مع انحفاظ رتبة الحكم الظاهري باجتماع القيود الثلاثة المتقدّمة، و هي الجهل بالواقع، و إمكان الحكم على المؤدّى بأنّه الواقع، و عدم لزوم المخالفة العمليّة، بالتفصيل المتقدم، فعند اجتماع هذه القيود الثلاثة يصحّ جعل الحكم الظاهري بتطبيق العمل على المؤدّى، و مع انتفاء أحدها لا يكاد يمكن جعل ذلك، و حيث إنّه يلزم من جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي مخالفة عمليّة فلا يمكن جعلها جمعا، و كون المجعول أحدها تخييرا و إن كان بمكان من الإمكان، إلّا أنّه لا دليل عليه، لا من ناحية أدلّة الأصول، و لا من ناحية المجعول فيها [٢].
______________________________
[١] أقول: يكفي دليلا ملاحظة أجمع بين إطلاق دليل الحلّيّة لكلّ واحد من الفردين على أيّ حال، و بين حكم العقل بعدم إمكان الجمع بين الشكّين في هذا الحكم، فيدور الأمر بين تخصيص الفردين، أو تقيد كلّ واحد بحال عدم ارتكاب الآخر، و معلوم: أنّ التقيد المزبور أولى من التخصيص، و ذلك أيضا هو الوجه في تقييد إطلاق كلّ واحد من الخطابين في باب المتزاحمين، و لا يرى بينهما فرقا بين المقامين، إذ في الصورتين يستكشف من الإطلاق دخول كلّ واحد في حال دون حال، فالمستكشف حكم ملازم مع التخيير واقعا و التعبّد بإطلاق الكاشف حكم ظاهريّ. و توهّم الفرق بين التقريب في المثال و باب المتزاحمين بالواقعيّة و الظاهريّة في غير محلّه.
[٢] أقول: فيه ما فيه! و لا يكفيه من التوجيه، إذ الدليل عليه كالنار على المنار، و لا يبطله إلّا تعلّق