فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٧ - و أما الجهة الثانية
يقتضي صحّة جريانها في جميع الأطراف، و المفروض عدم صحّة ذلك، لأنّه يلزم من جريانها في الجميع مخالفة قطعيّة عمليّة، فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاق الحجّيّة. و لكن هذا لا يوجب سقوط أصل الحجّيّة من كلّ أصل في كلّ واحد من الأطراف، بل غاية ما يلزم هو تقييد إطلاق حجّيّة كلّ من الأصلين المتعارضين أو الأصول المتعارضة بحال عدم جريان الأصل الآخر في الطرف المقابل. و نتيجة هذا التقييد هو التخيير في إجراء أحد الأصلين لا سقوطهما رأسا، فانّ المانع من إجراء الأصلين معا ليس هو إلّا المخالفة العمليّة، و هي لم تلزم من نفس حجيّة الأصلين، بل من إطلاق حجّيّتها لحال إجراء الآخر و عدمه، إذ لو كان حجّيّة كلّ أصل مشروطا بحال عدم إجراء الأصل الآخر لم تحصل المخالفة العمليّة، فالمخالفة العمليّة انّما نشأت من إطلاق الحجّيّة لكل من الأصلين المتعارضين، فلا بدّ من تقييد حجّيّة كلّ من الأصلين بحال عدم إجراء الآخر، كتقييد الأمر بالعمل بكلّ من الأمارتين المتعارضتين بحال عدم العمل بالأخرى من غير فرق بينهما، سوى أنّ الموجب للتقييد في الأمارتين المتعارضتين هو عدم القدرة على العمل بهما جمعا، و في الأصلين المتعارضين هو لزوم المخالفة العمليّة من إجرائهما معا.
و حاصل الكلام: أنّ حجّيّة كلّ أصل عملي إنّما تكون مشروطة بانحفاظ رتبة الأصل كاشتراط كلّ تكليف بالقدرة على متعلّقه، و كما أنّه في باب التكاليف الواقعيّة تكفي القدرة على امتثال أحد التكليفين المتزاحمين في الحكم بالتخيير بينهما، فكذلك في باب الأصول العمليّة يكفي انحفاظ رتبة أحد الأصلين المتعارضين في الحكم بالتخيير بينهما، و لا إشكال في انحفاظ رتبة كلّ من الأصلين عند عدم إجراء الآخر، فلا وجه لسقوطهما معا.
قلت: هذا غاية ما يمكن أن توجّه به مقالة التخيير، و قد ذهب إليه بعض الأعاظم في حاشيته على الفوائد و تبعه بعض أعيان أهل العصر.