فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٧٠٥ - المبحث الثاني في الفرق بين التعارض و التزاحم
و صرفها نحوه و إن لزم منه سلب القدرة عن التكليف الآخر، و المفروض: ثبوت القدرة على كلّ منهما منفردا و إن لم يمكن الجمع بينهما، فكلّ من الحكمين يقتضي حفظ موضوعه و رفع موضوع الآخر بصرف القدرة إلى امتثاله، فيقع التزاحم بينهما في مقام الامتثال.
فما في بعض الكلمات: من أنّ تزاحم الحكمين إنّما يكون لأجل تزاحم المقتضيين و الملاكين اللذين يقتضيان تشريع الحكمين على طبقهما، ضعيف غايته، فانّ تزاحم الملاكين لا دخل له بتزاحم الحكمين، بداهة أنّ عالم تزاحم الملاكات غير عالم تزاحم الأحكام، فانّ تزاحم الملاكات إنّما يكون في عالم تشريع الأحكام و إنشائها على موضوعاتها، و لا محالة يقع الكسر و الانكسار بين الملاكين، فتتعلّق إرادة الشارع بتشريع الحكم على طبق أقوى الملاكين لو كان أحدهما أقوى من الآخر، و إلّا فلا بدّ من الحكم بالتخيير، و أين هذا من تزاحم الحكمين؟ فانّ تزاحم الأحكام إنّما يكون في عالم صرف قدرة المكلّف على الامتثال بعد تشريع الأحكام على طبق ما اقتضته الملاكات، فإرجاع تزاحم الأحكام إلى تزاحم الملاكات لا يخلو عن غرابة، مع ما بين البابين من البون البعيد. و قد تقدّم منّا الكلام في تفصيل ذلك في الجزء الأوّل من الكتاب.
فتحصّل: أنّ الفرق بين باب التعارض و باب التزاحم هو أنّ التعارض إنّما يكون باعتبار تنافي مدلولي الدليلين في مقام الجعل و التشريع، و التزاحم إنّما يكون باعتبار تنافي الحكمين في مقام الامتثال، إمّا لعدم القدرة على الجمع بينهما في الامتثال، كما هو الغالب في باب التزاحم [١] و إمّا لقيام الدليل من الخارج
______________________________
[١] أقول: بعد بناء الأصحاب طرّا على الفرق بين العلم و القدرة في صلاحية القدرة لتقييد الخطاب و لو عقلا، بخلاف العلم- لكونه في رتبة لا حقة عن الخطاب بإطلاقه بلا صلاحية لتقييد مضمونه- لا محيص من إرجاع العلم إلى شرائط تنجيز الخطاب دون نفسه، بخلاف القدرة، فانّه من شرائط نفسه السابقة عن مرحلة تنجّزه. و حينئذ لا يبقى مجال لإطلاق الخطاب لحال العجز و لو كان العجز اتّفاقيّا،