فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٦٨٣ - الأمر السادس - في تعارض الاستصحابين
المسبّبي، لأنّ كلّ حكم مشروط بوجود موضوعه، فلا بدّ من فرض وجود الموضوع في ترتّب الحكم عليه، و لا يعقل أن يكون الحكم متكفّلا لوجود موضوعه.
فالأصل المسبّبي إنّما يجري إذا بقي الشكّ الّذي أخذ موضوعا فيه و الأصل السببي رافع و معدم له في عالم التشريع، لأنّ التعبّد بمؤدّى الأصل السببي بمدلوله المطابقي يقتضي إلغاء الشكّ المسبّبي، و لا عكس، بداهة أنّ التعبّد بطهارة الماء المغسول به الثوب النجس بنفسه يقتضي التعبّد بطهارة الثوب [١] إذ لا معنى لطهارة
______________________________
[١] أقول: مفاد «كلّ شيء طاهر» الجاري في الماء المشكوك طهارته إذا كان التعبّد بطهارته في ظرف الشكّ به بلا نظر فيه إلى إلغاء الشكّ أصلا، فتارة: يكون طهارة ما غسل به من الآثار الواقعيّة المترتّبة على طهارة الماء أعمّ من الواقعيّة و الظاهريّة، و أخرى: تكون بواقعيّتها مترتّبة على طهارة الماء واقعا، و إنّما يستفاد طهارته الظاهريّة من عناية نظر القاعدة في تعبّده بالطهارة في الماء إلى طهارة ما غسل به، حيث إنّه من آثارها بمقتضى دليل الكبرى الواقعي. و لا إشكال في التقديم على الوجه الأوّل، و لكن لم يلتزم به أحد، فلا محيص من الوجه الثاني. و حينئذ ففي التقديم بمناط نفي الموضوع للأصل المسبّبي إشكال ظاهر، إذ غاية اقتضاء التعبّد بطهارة الماء في ظرف الشكّ التعبّد بطهارة الثوب المغسول به أيضا في ظرف الشكّ بلا نظر منه إلى نفي الشكّ، و حينئذ فلو كان في البين استصحاب نجاسته لا مجال لحكومة هذا الأصل على الاستصحاب المزبور، إذ كلّ واحد يثبت التعبّد بحكم في ظرف الشكّ طهارة أو نجاسة، من دون نظر لأحدهما إلى نفي موضوع الآخر من الشكّ في الطهارة و النجاسة.
و توهّم: جريان القاعدة في الرتبة السابقة لسبق رتبة شكّه فلا يبقى شكّ في طهارة الثوب كي يجري الاستصحاب، مدفوع أوّلا: أنّ تقدّم رتبة المشكوك لا يقتضي مطلقا تقدّم رتبة شكّه- كما بيّنّا نظيره في العلم الإجمالي في مسألة الملاقي- و ثانيا: سلّمنا تقدّم رتبة الشكّ، و لكن نقول: إنّ الحكم بتعبّد الأثر في طول التعبّد بطهارة الماء، و لازمه كونه في عرض التعبّد بالنجاسة باستصحابه، فلم لا يجري الاستصحاب كي لا يبقى مجال للتعبّد بطهارة الثوب مع فرض وجود موضوعها في رتبة واحدة؟ و من هنا ظهر: أنّه لو بنينا أنّ لكلّ واحد من الأصلين النّظر إلى نفي الشكّ يجيء الكلام أيضا في أنّه لم تجري أوّلا التعبّد بطهارة الثوب الناظر إلى نفي شكّه؟ بل من الممكن أن تجري الاستصحاب الناظر إلى نفي الشكّ عن طهارة الثوب كي لا يبقى مجال لنظر عموم طهارة الماء إلى التعبّد بمثل هذا الأثر، كما لا يخفى.
و حينئذ ما أفاده المقرّر- بطوله و تكراره المملّ- مما لا يسمن و لا يغنى من جوع! فلا محيص في وجه تقديم الأصل السببي إلى بيان آخر، و لا يكاد يتمّ هذا البيان، كما لا يتمّ في وجه تقديم الاستصحاب السببي على المسبّبي أيضا،