الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٦ - الصعاب و المشاقّ سنّة إلهية
الأصل تعني الشّدة و أمثالها، و تطلق على كلّ نوع من العذاب و المشّقة، و يطلق على الأشخاص الشّجعان الّذين يخوضون الحرب بضراوه و شدّة (بأيس) أو (ذو البأس).
و كلمة (ضرّاء) كما يقول الرّاغب في مفرداته هي النقطة المقابلة للسرّاء، و هي ما يسرّ الإنسان و يجلب له النفع، فعلى هذا الأساس تعني كلمة ضرّاء كلّ ضرر يصيب الإنسان، سواء في المال أو العرض أو النفس و أمثال ذلك.
جملة مَتى نَصْرُ اللَّهِ قيلت من قبل النبي و المؤمنين حينما كانوا في منتهى الشّدة و المحنة، و واضح أنّ هذا التعبير ليس اعتراضا على المشيئة الإلهيّة، بل هو نوع من الطلّب و الدعاء، و لذلك تبعته البشارة بالإمداد الإلهي.
و ما ذكره بعض المفسرين من احتمال أن تكون جملة (متى نصر اللّه) قيلت من طرف جماعة من المؤمنين، و جملة (ألا إنّ نصر اللّه قريب) قيلت من قبل النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بعيد جدّا.
و على ايّة حال، فإنّ الآية أعلاه تحكي أحد السنن الالهيّة في الأقوام البشريّة جميعا، و تنذر المؤمنين في جميع الأزمنة و الأعصار أنّهم ينبغي عليهم لنيل النّصر و التوفيق و المواهب الاخرويّة أن يتقبّلوا الصّعوبات و المشاكل و يبذلوا التضحيات في هذا السبيل، و في الحقيقة إنّ هذه المشاكل و الصّعوبات ما هي إلّا إمتحان و تربية للمؤمنين و لتمييز المؤمن الحقيقي عن المتظاهر بالإيمان.
و عبارة الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ تقول للمسلمين: أنّكم لستم الوحيدين في هذا الطريق الّذين ابتليتم بالمصائب من قبل الأعداء، بل أنّ الأقوام السّالفة ابتلوا أيضا بهذه الشدائد و المصائب إلى درجة أنّهم مسّتهم البأساء و الضرّاء حتّى استغاثوا منها.
و أساسا فإنّ رمز التكامل للبشريّة أن يحاط الأفراد و المجتمعات في دائرة البلاء و الشّدائد حتّى يكونوا كالفولاد الخالص و تتفتّح قابليّاتهم الداخليّة و ملكاتهم النفسانيّة و يشتد إيمانهم باللّه تعالى، و يتميّز كذلك المؤمنون و الصّابرون