الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٦٠ - الخيانة ممنوعة مطلقا
غلّ يوم القيامة ليس هو أنّه يحمل كلّ ذلك حملا أو يستصحبه استصحابا حقيقيا معه يوم القيامة، بل المراد هو أنه يتحمل مسئولية ذلك، و لكن بالنظر إلى مسألة «تجسم الأعمال» في يوم القيامة لا يبقى أي مبرر و لا أي داع لهذا التفسير، بل- و كما يدلّ عليه ظاهر الآية و يشهد به- يأتي الخائن و هو يحمل عين ما غل كوثيقة حية تشهد على خيانته و غلوله، أو يستصحبها معه.
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ يعني أن الناس يجدون عين أعمالهم هناك، و لهذا فهم لا يظلمون لأنه يصل إلى كلّ أحد نفس ما كسبه خيرا كان أو شرا.
و لقد أثّرت الآية السابقة، و الأحاديث التي صدرت عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و هي تذم الخيانة و الغلول في نفوس المسلمين و خلقهم تأثيرا عجيبا حتّى أنهم- نتيجة لهذه التربية- لم يصدر عنهم أقل خيانة و لا أدنى غلول في غنائم الحرب أو الأموال العامة، إلى درجة أنهم كانوا يأتون بالغنائم الغالية الثمن الصغيرة الحجم التي كان من السهل إخفاؤها إلى النبي، أو القادة من بعده دون أي تصرف فيها، الأمر الذي يدعو إلى الدهشة و الإكبار و العجب.
فقد كان هؤلاء نفس أولئك العرب القساة، الجفاة، المغيرون، السلابون قطاع الطرق في الجاهلية، و قد أصبحوا الآن- في ظل التربية الإسلامية- في قمة الصلاح و الأمانة، و في ذروة الاستقامة و الطهر، و التقى و كأنهم يرون مشاهد القيامة بأم أعينهم، كيف يقدم الخائنون في الأموال و الأمانات إلى المحشر و هم يحملون على أكتافهم و ظهورهم ما غلوه و خانوه.
أجل لقد كان هذا الإيمان يحذرهم من الخيانة، بل يصرفهم حتّى عن التفكير فيها.
كتب الطبري في تاريخه أنه لما هبط المسلمون بالمدائن، و جمعوا الأقباض