الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥٤ - الإسلام و خصيصة البحث عن الحقّ
و أفعالهم الذميمة نجد القرآن- كما هو شأنه دائما- يراعي جانب العدل و الإنصاف، فيحترم كلّ من تنزه عن ذلك السلوك الذميم الذي سار عليه اليهود، و يعلن بصراحة أنه لا يعمم ذلك الحكم، و إنه لا يمكن النظر إلى الجميع بنظرة واحدة دون التفريق بين من أقام على تلك الفعال، و بين من غادرها و طلب الحقّ، و لهذا يقول:
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ [١].
أجل ليس أهل الكتاب سواء، فهناك جماعة تطيع اللّه و تخافه، و تؤمن به و تهابه، و تؤمن بالآخرة و تعمل لها، و تقوم بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
و بهذا يتورع القرآن الكريم عن إدانة العنصر اليهودي كافة، بل يركز على أفعالهم و أعمالهم و ممارساتهم، و يحترم و يمدح كلّ من انفصل عن أكثريتهم الفاسدة، و خضع للحقّ و الإيمان، و هذا هو أسلوب الإسلام الذي لا يعادي أحدا على أساس اللون و العنصر، بل إنما يعاديه على أساس اعتقادي محض، و يكافحه إذا كانت أعماله لا تنطبق مع الحقّ و العدل و الخير، لا غير.
ثمّ إنه يستفاد من بعض الأحاديث أن الممدوحين في هذه الآية لم ينحصروا في «عبد اللّه بن سلام» و جماعته الذين أسلموا معه، بل شمل هذا المدح (٤٠) من نصارى نجران و (٣٢) من نصارى الحبشة و (٨) أشخاص من أهل الروم كانوا قد أسلموا قبل ذلك، و يدل على ذلك أن الآية استخدمت لفظة «أهل الكتاب» و هو كما نعرف تعبير يعم اليهود و غيرهم.
ثمّ إنّه سبحانه قال: وَ ما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ معقبا بذلك على العبارات السابقة و مكملا للآية، و يعني بقوله أن هؤلاء الذين أسلموا و اتخذوا
[١]- الآناء جمع أنا (على وزن وفا) و أنا (على وزن غنا) بمعنى الأوقات.