الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٠ - الإسلام أفضل الأديان الإلهيّة
و لمّا كانت «أسلم» مستعملة في هذه الآية بالمعنى الأوسع للإسلام، أي المعنى الذي يشمل النوعين من أوامر اللّه، لذلك فهي تقول إنّ فريقا يسلم طوعا- كالمؤمنين- و فريقا يسلم كرها- كالكافرين- أمام القوانين التكوينية. و هكذا نجد أنّ الكافرين الذين يمتنعون عن التسليم أمام بعض أوامر اللّه مجبرين على التسليم أمام بعض آخر من أوامر اللّه. فلما ذا إذا لا يسلمون لجميع قوانين اللّه و دين الحقّ؟
هناك احتمال آخر في تفسير هذه الآية ذكره كثير من المفسّرين، و إن لم يتعارض مع ما قلناه آنفا، و هو: أنّ المؤمنين و هم في حال من الرفاه و الهدوء يسيرون نحو اللّه بملء اختيارهم. أمّا غير المؤمنين فلا يسيرون نحو اللّه إلّا عند ما تحيق بهم البلايا و المشكلات التي لا تطاق، فيدعونه و يتوسّلون إليه، فمع أنّهم في الظروف العادية يشركون به، فإنّهم في الشدائد و الملمّات لا يتوجّهون إلّا إليه.
و يتضح ممّا تقدّم أن «من» في جملة مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ تشمل الموجودات العاقلة و غير العاقلة، فبالرغم من كونها تستعمل عادة للعقلاء، إلّا أنها قد تكون عامّة للتغليب. و «طوعا» إشارة إلى الموجودات العاقلة المؤمنة، و «كرها» إشارة إلى الكفّار و غير العقلاء.
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا ....
في هذه الآية يأمر اللّه النبيّ و المسلمين بأنّهم، فضلا عن إيمانهم بما أنزل على رسول الإسلام، عليهم أن يظهروا إيمانهم بكلّ الآيات و التعليمات التي نزلت على الأنبياء السابقين، و أن يقولوا: إنّنا لا نفرّق بينهم من حيث صدقهم و علاقتهم باللّه.
إنّنا نعترف بالجميع، فهم جميعا كانوا قادة إلهيّين، و هم جميعا بعثوا لهداية الناس.
إنّا نسلم بأمر اللّه من جميع النواحي، و بذلك نقطع أيدي المفرّقين.