الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٠ - التّفسير
و لكن لسانه كان ينطلق إذا ما شرع يسبّح اللّه و يذكره. هذه الحالة العجيبة كانت علامة على قدرة اللّه على كلّ شيء. فاللّه القادر على فكّ لجام اللسان عند المباشرة بذكره، قادر على أن يفكّ عقم رحم امرأة فيخرج منه ولدا مؤمنا هو مظهر ذكر اللّه. و هكذا تتّضح العلاقة بين هذه العلامة و ما كان يريده زكريّا.
هذا المضمون يرد في الآيات الأولى من سورة مريم أيضا.
و في الوقت نفسه يمكن أن تحمل هذه العلامة معنى آخر في طيّاتها، و هو أنّ إلحاح زكريّا على طلب العلامة و الآية- و إن لم يكن أمرا محرّما و لا مكروها- كان من نوع «ترك الأولى». لذلك قرّر له علامة، إضافة إلى ما فيها من بيان لقدرة اللّه، طافحة بالإشارة إلى تركه للأولى.
يتبادر هنا للذهن سؤال: أ يتّسق بكم نبيّ مع مقام النبوّة و واجب الدعوة و التبليغ؟
ليس من الصعب الإجابة على هذا السؤال، إذ أنّ هذه الحالة لا تتّسق مع مقام النبوّة عند استمرارها مدّة طويلة. أمّا حدوثها لفترة قصيرة يستطيع النبيّ خلالها اعتزال الناس و التوجّه إلى عبادة اللّه، فلا مانع فيه، كما أنّه خلال هذه المدّة يستطيع أن يخاطب الناس بالإيماء في الأمور الضرورية، أو بتلاوة آيات اللّه، التي تعتبر ذكرا للّه، و تبليغا للرسالة الإلهية. و هذا ما قام به فعلا، إذ كان يدعو الناس إلى ذكر اللّه بالإشارة.
وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ.
«العشي» تطلق عادة على أوائل ساعات الليل، كما يقال «الإبكار» للساعات الأولى من النهار. و قيل إنّ «العشي» هو من زوال الشمس حتّى غروبها، و «الإبكار» من طلوع الفجر حتّى الظهر.