الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٢ - التّفسير
يمكن الاستنتاج من أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أنّ ما كان بين أيدي اليهود و النصارى من التوراة و الإنجيل لم يكن كاملا، بل كان قسم منهما بين أيديهم، بينما كان القسم الأعظم من هذين الكتابين السماويّين قد ضاع أو حرّف.
هذه الآية تؤيّدها آيات أخرى في القرآن، كما أنّ هناك شواهد و دلائل تاريخية تؤكّد ما ذهبنا إليه.
و في الآية الثانية شرح سبب عصيانهم و تمردّهم، و هو أنّهم كانوا يحملون فكرة خاطئة عن كونهم من عنصر ممتاز، و هم اليوم أيضا يحملون هذه الفكرة الباطلة الواضحة في كتاباتهم الدالّة على الاستعلاء العنصري.
كانوا يظنّون أنّ لهم علاقة خاصّة باللّه سبحانه، حتّى أنّهم سمّوا أنفسهم «أبناء اللّه» كما ينقل القرآن ذلك على لسان اليهود و النصارى في الآية ١٨ من سورة المائدة قولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ. و بناء على ذلك كانوا يرون لأنفسهم حصانة تجاه العقوبات الربّانية، و كانوا ينسبون ذلك إلى اللّه نفسه. لذلك كانوا يعتقدون أنّهم لن يعاقبوا على ذنوبهم يوم القيامة إلّا لأيّام معدودات: قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ.
و لعلّ القصد من «الأيام المعدودات» هي الأربعون يوما التي عبدوا فيها العجل في غياب موسى عليه السّلام، و كان هذا ذنبا لم يكونوا هم أنفسهم قادرين على إنكاره.
أو لعلّها أيّام قليلة من أعمارهم ارتكبوا فيها ذنوبا كبيرة غير قابلة للإنكار، و لم يستطيعوا حتّى على إخفائها.
هذه الامتيازات الكاذبة المصطنعة، التي أسبغوها على أنفسهم و نسبوها إلى اللّه، صارت شيئا فشيئا جزءا من معتقداتهم بحيث إنّهم اغترّوا بها و راحوا يخالفون أحكام اللّه و يخرقون قوانينه مجترئين عليها جرأة لا مزيد عليها وَ غَرَّهُمْ