الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢ - الإنفاق و ترشيد الشخصيّة
إنّ عمل كلّ إنسان انعكاس لوجوده، و كلّما اتّسع العمل اتّسع في الواقع وجود ذلك الإنسان.
و بعبارة اخرى: أنّ القرآن لا يفصل عمل الإنسان عن وجوده، بل يرى أنّهما مظهران مختلفان لحقيقة واحدة، و وجهان لعملة واحدة، لذلك فإنّ آية قابلة للتفسير من دون أن نفترض فيها حذفا و تقديرا، فالآية إشارة إلى حقيقة أنّ شخصية الإنسان الصالح تنمو و تكبر معنويّا بأعماله الصالحة، فمثل هؤلاء المنفقين كمثل البذور الكثيرة الثمر التي تمدّ جذورها و أغصانها إلى جميع الجهات و تفيض ببركتها على كلّ الأرجاء.
و الخلاصة أنّه في كلّ مورد للتشبيه مضافا إلى وجود أداة التشبيه لا بدّ من وجود ثلاثة امور اخرى:
المشبّه، و المشبّه به، و وجه التشبيه، ففي هذا المورد المشبّه هو الإنسان المنفق، و المشبّه به هو البذور الكثيرة البركة، و وجه التشبيه هو النموّ و الرشد، و نحن نعتقد أنّ الإنسان المنفق ينمو و يرشد معنويّا و اجتماعيّا من خلال عمله ذاك و لا يحتاج إلى أيّ تقدير حينئذ.
و شبيه هذا المعنى ورد كذلك في الآية ٢٦٥ من هذه السورة، و هناك بحث بين المفسّرين في التعبير بقوله أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ حيث أشارت الآية إلى أنّ حبّة واحدة تصير سبعمائة حبّة أو أكثر، و أنّ هذا التشبيه لا وجود خارجي له فهو تشبيه فرضي (لأنّ حبّة الحنطة لا تبلغ في موسم الحصاد سبعمائة حبّة أبدا) و أو أنّ المقصود هو نوع خاصّ من الحبوب (كالدخن) التي تعطي هذا القدر من الناتج، و يلفت النظر أنّ الصحف كتبت أخيرا أنّ بعض مزارع القمح أنتجت في السنوات الممطرة سنابل طويلة يحمل بعضها نحوا من اربعمائة آلاف