الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١ - التّفسير
ناسخة و لا منسوخة، لأن منع المسلمين من قتال الكفّار كان في زمن لم يكن للمسلمين القوّة الكافية، و مع تغيّر الظروف صدر الأمر لهم بالدفاع عن أنفسهم، و كذلك قتال المشركين فهو في الواقع استثناء من الآية، فعلى هذا يكون تغيير الحكم بسبب تغيير الظروف لا من قبيل النسخ و لا الاستثناء، و لكن القرائن تدلّ على أن النسخ في الروايات و في كلمات القدماء له مفهوم غير مفهومه في العصر الحاضر، أي له معنى واسع يشمل هذه الموارد أيضا.
في الآية التالية الّتي تعتبر مكملّة للأمر الصادر في الآية السابقة تتحدّث هذه الآية بصراحة أكثر و تقول: إنّ هؤلاء المشركين هم الّذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم و صبّوا عليهم ألوان الأذى و العذاب، فيجب على المسلمين أن يقتلوهم أينما وجدوهم، و أنّ هذا الحكم هو بمثابة دفاع عادل و مقابلة بالمثل، لأنّهم قاتلوكم و أخرجوكم من مكّة وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ. ثمّ يضيف اللّه تعالى وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
أمّا المراد من (الفتنة) ما هو؟ فهناك أبحاث عديدة بين المفسرين و أرباب اللّغة، فهذه المفردة في الأصل من (فتن) على وزن متن، و يقول الراغب في مفرداته أنّها تعني وضع الذهب في النار للكشف عن درجة جودته و أصالته، و قال البعض أنّ المعنى هو وضع الذهب في النار لتطهيره من الشوائب [١]، و قد وردت مفردة الفتنة و مشتقاتها في القرآن الكريم عشرات المرّات و بمعان مختلفة.
فتارة جاءت بمعنى الامتحان مثل أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ [٢].
[١]- روح المعاني، المجلد الثاني، ص ٦٥.
[٢]- العنكبوت: ٢.