الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٤ - التضحيّة الكبرى في دولة الهجرة التاريخيّة
عن طريق النفاق و يتظاهرون بالإيمان بأقوالهم بينما أعمالهم ليس فيها سوى الإفساد في الأرض و إهلاك الحرث و النسل.
أما هذه الطائفة الثّانية فتعاملهم مع اللّه وحده حيث يقدّمون أرواحهم رخيصة في سبيله، و لا يبتغون سوى رضاه، و لا يطلبون عزّة و رفعة الّا باللّه، و بتضحيات هؤلاء يصلح أمر الدّين و الدنيا و يستقيم شأن الحقّ و الحقيقة و تصفو حياة الإنسان و تثمر شجرة الإسلام.
و من هنا يتّضح أنّ جملة وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ بمثابة النقطة المقابلة لما ورد في الآية السابقة عن المنافقين المفسدين في الأرض فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ و قد تكون إشارة إلى أن اللّه عزّ و جلّ في الوقت الّذي هو رحيم و رؤوف بالعباد هو الّذي يشري الأنفس بأغلى الأثمان و هو رضوان اللّه تعالى عن الإنسان.
و ممّا يستلفت النظر أنّ البائع هو الإنسان، و المشتري هو اللّه تعالى، و البضاعة هي النفس، و ثمنها هو رضوان اللّه تعالى، في حين نرى في موارد اخرى أنّ ثمن مثل هذه المعاملات هو الجنّة الخالدة و النجاة من النار، من قبيل قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ [١].
و لعلّه لهذا السبب كانت (من) في الآية مورد البحث تبعيضية (و من الناس)، يعني أنّ بعض الناس يستطيعون أن يقوموا بمثل هذه الأعمال الخارقة بحيث لا يطلبون عوضا عن أرواحهم و أنفسهم سوى رضوان اللّه تعالى، و أمّا في الآية (١١١) من سورة التوبة التي ذكرناها سابقا رأينا أنّ جميع المؤمنين قد دعوا إلى التعامل و التجارة مع اللّه تعالى في مقابل الجنّة الخالدة.
[١]- التوبة: ١١١.