الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣٤ - الهزيمة بعد الإنتصار
و مزقوا شملهم ما داموا كانوا يتبعون تعاليم النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و يتقيدون بأوامره، و ما داموا كانوا يتحلون بالثبات و الاستقامة، فلم تلحق بهم الهزيمة إلّا عند ما وهنوا و تجاهلوا أوامر القيادة النبوية الدقيقة. و هذا يعنى أن عليهم أن لا يتوهموا بأن الوعد بالتأييد و النصر مطلق لا قيد له و لا شرط، بل كل الوعود الإلهية بالنصر مقيدة باتباع تعاليم اللّه بحذافيرها، و التمسك بأهدافها.
أما متى وعد اللّه المسلمين بالنصر في هذه المعركة، فهناك احتمالان:
الأوّل: أن يكون المراد هو تلك الوعود العامة التي يعد اللّه بها المؤمنين دائما حيث يخبرهم بأنّه سبحانه ينصرهم على الكافرين و الأعداء.
الآخر: ان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قد وعد المسلمين بصراحة قبل أن يخوضوا معركة «أحد» بأنهم منتصرون في تلك المعركة، و وعد النبي هو الوعد الإلهي بلا ريب.
ثمّ إنه سبحانه يقول: بعد بيان هذه الحقيقة حول النصر الإلهي وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ.
و من هذه العبارة التي هي إشارة إلى ما طرأ على وضع الرماة في جبل «عينين» يستفاد بوضوح بأن الرماة الذين كلفوا بحراسة الثغر قد اختلفوا فيما بينهم في ترك ذلك الثغر و مغادرة ذلك الموقع في الجبل فعصى فريق كبير منهم، (و هذا قد يستفاد من لفظة عصيتم التي تفيد أن الأغلبية و الأكثرية من الرماة قد عصت و تجاهلت تأكيدات النبي بالبقاء هناك).
و لهذا يقول القرآن الكريم بأنّكم عصيتم من بعد ما أراكم النصر الساحق الذي كنتم تحبون، أي أنّكم بذلتم غاية الجهد لتحقيق النصر، و لكنكم وهنتم في حفظه، و تلك حقيقة ثابتة أبدا أن الحفاظ على الانتصارات أصعب بكثير من تحقيقها.
أجل لقد اختلفتم فيما بينكم و تنازعتم في تلك اللحظات الحساسة البالغة الأهمية مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ.