الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢٢ - أعداء الأمس و إخوان اليوم
أعداء الأمس و إخوان اليوم:
ثمّ إن القرآن بعد كلّ هذا يعطي مثالا حيّا من واقع الأمة الإسلامية لأثر الارتباط باللّه و هو يذكر- في نفس الوقت- بنعمة الاتحاد و الأخوة- تلك النعمة الكبرى- و يدعو المسلمين إلى مراجعة الماضي المؤسف، و مقارنة ذلك الاختلاف و التمزق بهذه الوحدة القوية الصلبة و يقول: وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً.
و الملفت للنظر هو تكرار كلمة نعمة في هذه الآية مرتين و هو إشعار بأهمية الوحدة هذه الموهبة الإلهية التي لا تحقّق إلّا في ظل التعاليم الإسلامية و الاعتصام بحبل اللّه.
و النقطة الأخرى الجديرة بالاهتمام أيضا هي أن اللّه نسب تأليف قلوب المؤمنين إلى نفسه فقال فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ أي أن اللّه ألف بين قلوبكم، و بهذا التعبير يشير القرآن الكريم إلى معجزة اجتماعية عظيمة للإسلام، لأننا لو لاحظنا ما كان عليه العرب و المجتمع الجاهلي من عداوات و اختلافات و ما كان يكمن في القلوب من أحقاد طويلة عميقة و ما تراكم فيها من ضغائن مستحكمة، و كيف أن أقل شرارة صغيرة أو مسألة جزئية كانت تكفي لتفجير الحروب، و اندلاع القتال في ذلك المجتمع المشحون بالأحقاد، و خاصة بالنظر إلى تفشي الأمية و الجهل الملازم عادة للإصابة باللجاج و العناد و العصبية، فإن أفرادا من هذا النوع من الصعب أن يتناسوا أبسط أمورهم فكيف بالأحداث الدامية الكبرى؟ و من هنا تتجلى أهمية المعجزة الاجتماعية التي حققها الإسلام حيث و حد الصفوف، و ألف بين القلوب، و أنسى الأحقاد، تلك المعجزة التي أثبتت أن تحقيق مثل هذه الوحدة و تأليف تلك القلوب المتنافرة المتباغضة، و إيجاد أمة واحدة متآخية من ذلك