الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٩ - التوراة الرائجة و تحريم بعض اللحوم
يمكن أن يكون هذا التحريم مختصا باليهود عقابا لهم و تنكيلا.
فإذا لم يكن لليهود حجّة على زعمهم، و إذا تبين لهم صدق الرسول الكريم في دعوته، و اتضح لهم أنّه على ملّة إبراهيم، و دينه الحنيف حقّا يوجب عليهم أن يتبعوه قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اتبعوا ملّة إبراهيم الذي كان حنيفا مستقيما لا يميل إلى شيء من الأديان الباطلة، و الأهواء الفاسدة، بل يسير في الطريق المستقيم، فلم يكن في دينه أي حكم منحرف مائل عن الحق و حتّى في الأطعمة الطيبة الطاهرة لم يكن يحرم شيئا بدون مبرر أو سبب وجيه للتحريم ... إنه لم يكن مشركا، فادعاء مشركي العرب بأنهم على ملته محض اختلاق، فأين الوثنية و أين التوحيد؟ و أين عبادة الأصنام، و أين تحطيم الأصنام؟
و الجدير بالذكر أن القرآن الكريم يكرر هذا الوصف وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ في شأن إبراهيم و يؤكد عليه في مواطن كثيرة، و ما ذلك إلّا لأن العرب الجاهليين الوثنيين كانوا- كما ألمحنا- ينسبون ديانتهم و عقائدهم الوثنية إلى الخليل عليه السّلام، و يدعون بأنهم على دينه و ملته، و كانوا يصرون على هذا إلى درجة أن الآخرين سموهم بالحنفاء (أي أتباع إبراهيم) و لذلك كرر القرآن نفي الشرك عن الخليل و صرح مرارا و تكرارا بأنه عليه السّلام كان حنيفا، و لم يكن من المشركين أبدا [١] ابطالا لذلك الادعاء السخيف، و تنزيها لساحة هذا النبي العظيم من تلك الوصمة المقيتة.
[١]- جملة «و ما كان من المشركين» جاءت في آل عمران ٦٧- ٩٥ و الأنعام ١٦١ و النحل ١٢٤ و البقرة ١٣٥.