الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٠ - التّفسير
يباعدوا بين المسلمين و الإسلام، و لم يتوانوا في سبيل ذلك في بذل كلّ جهد، حتّى أنّهم طمعوا في إغراء أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم المقرّبين لعلّهم يستطيعون صرفهم عن الإسلام. و لا شكّ أنّهم لو نجحوا في التأثير على عدد منهم، أو حتّى على فرد واحد منهم، لكان ذلك ضربة شديدة على الإسلام تمهّد الطريق لتضليل الآخرين أيضا.
هذه الآية تكشف خطّة الأعداء، و تنذرهم بالكفّ عن محاولاتهم العقيمة استنادا إلى التربية التي نشأ عليها هذا الفريق من المسلمين في مدرسة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم بحيث لا يمكن أن يكون هناك أيّ احتمال لارتدادهم. إنّ هؤلاء قد اعتنقوا الإسلام بكلّ وجودهم، و لذلك فإنّهم يعشقون هذه المدرسة الإنسانية بمجامع قلوبهم و يؤمنون بها. و بناء على ذلك لا سبيل للأعداء إلى تضليلهم، بل أنّهم إنّما يضلّون أنفسهم.
وَ ما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ و ذلك لأنّهم بإلقاء الشبهات حول الإسلام و على رسول الإسلام و اتّهامهما بشتّى التهم، إنّما يربّون في أنفسهم روح سوء الظن. و بعبارة أوضح: إن العيّاب الذي يتصيّد الهفوات يعمى عن رؤية نقاط القوّة، أو بسبب تعصّبه و عناده يرى النقاط المضيئة الإيجابية نقاطا مظلمة سلبية، و كلّما ازداد إصرارا على هذا، إزداد بعدا عن الحقّ.
و لعلّ تعبير وَ ما يَشْعُرُونَ إشارة إلى هذه الحالة النفسية، و هي أنّ الإنسان يقع دون و عي منه تحت تأثير أقواله هو أيضا، و في الوقت الذي يحاول فيه بالسفسطة و الكذب و الافتراء أن يضلّ الآخرين، لا يكون هو نفسه بمنأى عن التأثير بأكاذيبه، فتروح هذه الاختلافات تؤثّر بالتدريج في روحه و تتمكّن فيه بعد فترة وجيزة بصورة عقيدة راسخة، فيصدّقها و يضلّ نفسه بها.