الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٣ - التّفسير
ولدا من اللّه- كما نقرأ في الآية التالية- دليل ثالث على ذلك.
بيد أنّ بعض المفسّرين- مثل صاحب المنار- يرون أنّ «رزقا» تعني هذا الطعام الدنيويّ المألوف. يقول ابن جرير: إنّ قحطا أصاب بني إسرائيل يومئذ، و لم يعد زكريّا قادرا على سدّ جوعة مريم. لذلك اقترعوا فكانت من نصيب رجل نجّار، فأخذ هذا يقتطع من كسبه الطيّب الحلال ليهيّئ الطعام لها، فكان هذا هو الطعام الذي يراه زكريّا في محرابها و يعجب من وجوده في تلك الظروف الصعبة و كان جواب مريم يعني أنّ اللّه قد سخّر لي مؤمنا فأحبّ القيام بهذه الخدمة الشاقّة.
و لكن- كما قلنا- هذا التفسير لا يتّسق مع القرائن الموجودة في الآية، و لا مع الأحاديث الواردة في تفسيرها، و منها ما
ورد في تفسير العيّاشي عن الإمام الباقر عليه السّلام ما ملخّصه أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم دخل يوما على ابنته فاطمة عليها السّلام و هو يعلم أنّها لم تكن تملك طعاما يذكر منذ أيّام، فوجد عندها طعاما وافرا خاصّا، فسألها عنه، فقالت: هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم لعليّ عليه السّلام: ألا أحدّثك بمثلك و مثلها؟ قال: بلى، قال: مثل زكريّا إذ دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقا، قال: يا مريم أنّى لك هذا؟ قالت: هو من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب ... [١].
و فيما يتعلّق بعبارة «بغير حساب» فقد شرحنا ذلك في تفسير الآية ٢٠٢ من سورة البقرة، و الآية ٢٧ من هذه السورة.
[١]- تفسير العيّاشي: ج ١ ص ١٧٢.